
شهدت المنظومة القانونية المغربية تحولاً نوعياً بصدور القانون رقم 70.24، الذي عدل الظهير الشريف رقم 1.84.177 المتعلق بتعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات برية ذات محرك. يهدف هذا الإصلاح إلى ملاءمة القوانين الوطنية مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية، وضمان حقوق الضحايا بشكل أكثر إنصافا.
أولاً: المستجدات الجوهرية في التشريع المغربي الجديد
1. توسيع نطاق التطبيق والمصطلحات
- نطاق التعويض: أصبح التعويض يشمل الحوادث التي تتسبب فيها مركبات برية بمحرك كهربائي، بالإضافة إلى المركبات المتصلة بسكة حديدية. واخضاع الحوادث التي ترتكبها القطارات او عرباتها يضع حدا لاستثناء غير منطقي دام لعقود حتى تولدت عنه العبارة الشعبية « ضربو تران » للتدليل على انه لن يعوض.
- تعريف الأجر والكسب المهني: تم تحديد « الأجر » بأنه الأجر الصافي من الضريبة الذي تقاضاه المصاب خلال 12 شهراً السابقة للحادث، على ألا يقل عن الحد الأدنى المحدد في الجدول الملحق بالقانون. أما « الكسب المهني » فيشمل الدخل الصافي من ممارسة مهنة حرة أو إدارة الأموال لنفس الفترة. طبعا هذا التعديل منتقد جدا، لكنه يضع حدا لاضطراب العمل القضائي بخصوص هذه النقطة المهمة، لكن للاسف باختيار التفسير الاقل فائدة للضحية.

2. مراجعة مبالغ التعويض والزيادات
- تغيير مبالغ الحد الأدنى: نص القانون على ضرورة تغيير مبالغ الأجر أو الكسب المهني الأدنى المعتمد في التعويض كل خمس سنوات بموجب نص تنظيمي.
- الزيادة في الإيرادات: تقرر الزيادة في مجموع الإيرادات الممنوحة للمصابين مرة واحدة كل خمس سنوات بنص تنظيمي، وتمول هذه الزيادة من عائدات الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين ومساهمات مقاولات التأمين (بحد أقصى 1% من الأقساط).
3. التعويضات التكميلية والمصاريف
- مصاريف الجنازة ونقل الجثمان: حدد القانون تعويضات للزوج (ضعف مبلغ الأجر الأدنى) وللأصول والفروع (ثلاثة أنصاف الأجر الأدنى). والمهم أن هذه المصاريف لا تخضع لتشطير المسؤولية (أي تُدفع كاملة بغض النظر عن نسبة مسؤولية المصاب).
- عجز المهن المنظمة: لا يعتبر المصاب الذي يزاول مهنة منظمة في حالة عجز مؤقت إلا إذا احترم المساطر القانونية للتوقف عن تلك المهنة.
- التعويض عن تفاقم الضرر: يحق للمصاب أو ذويه طلب تعويض إضافي في حالة تفاقم الضرر البدني الناتج عن الحادث، مع تقديم شهادة طبية تثبت ذلك.

4. الشواهد الطبية والخبرة
- إحداث « قسم تمهيدي »: أضاف التعديل قسماً خاصاً بالشواهد الطبية، يلزم الطبيب المعالج بتحرير شواهد محددة (شهادة أولية، شهادة تمديد، شهادة شفاء، وشهادة تفاقم) وفق نماذج ستحدد بنص تنظيمي.
- مسطرة الخبرة: إذا لم يتفق الطبيب المعالج مع طبيب شركة التأمين على نسبة العجز، يمكن تعيين طبيب خبير مختص بطلب من الطبيب المعالج وعلى نفقة شركة التأمين.
5. آجال التقادم والإجراءات الإدارية
- تقادم طلبات التعويض: يتقادم طلب التعويض المدني بمرور خمس سنوات من تاريخ شهادة الشفاء أو تاريخ العلم بالوفاة والمتسبب في الضرر.
- عرض الصلح: أصبحت شركة التأمين ملزمة بإعلام طالب التعويض بمبلغ التعويض المقترح أو رفضه، ويعتبر عدم الرد داخل الأجل بمثابة رفض للتعويض.+1
- إرسال المحاضر: يلتزم ضباط وأعوان الشرطة القضائية بتوجيه نسخة من محضر حادثة السير إلى شركة التأمين المعنية أو صندوق ضمان حوادث السير داخل أجل أقصاه شهر من وقوع الحادث.
ثانياً: التحليل المقارن مع التشريعين الفرنسي والإسباني
تبرز قيمة القانون المغربي الجديد عند وضعه في سياق القانون المقارن، خاصة مع الأنظمة التي استمد منها أسسه:
1. مع التشريع الفرنسي (Loi Badinter):
- فلسفة المسؤولية: في فرنسا، تُطبق « المسؤولية الموضوعية » التي تحمي المشاة والركاب حماية شبه مطلقة من الدفوع بالخطأ. أما المغرب، فرغم تحسينه لشروط التعويض في القانون 70.24، لا يزال متمسكاً بنظام « تشطير المسؤولية » في معظم الأضرار البدنية، مع استثناء مصاريف الجنازة والألم المعنوي في التعديل الأخير.+1
- المرونة القضائية: التعويض في فرنسا مرن ويخضع لتقدير القضاء بناءً على قائمة « دينتيلاك »، بينما المغرب يظل وفياً لنظام الجدول الجامد (Barème) الملحق بالقانون.+1
2. مع التشريع الإسباني (نظام Baremo):
- آلية التحديث: يتفق التعديل المغربي مع النظام الإسباني في فكرة التحديث الدوري للمبالغ. لكن إسبانيا تعتمد تحديثاً سنوياً تلقائياً مرتبطاً بمؤشر الأسعار، بينما اختار المشرع المغربي التحديث كل 5 سنوات.+4
- تعويض التفاقم: يكرس القانون الإسباني حق الضحية في التعويض عن تفاقم الضرر (Agravación)، وهو ما كرسه المشرع المغربي في المادة 20، حيث منح المصاب حق المطالبة بتعويض إضافي في حالة تطور إصاباته بعد الصلح أو الحكم.+1
ملخص المقارنة القانونية
| وجه الاختلاف | المغرب (قانون 70.24) | فرنسا | إسبانيا |
| أساس التعويض | جدول محدد قانوناً | تقدير قضائي مرن | نظام Baremo ملزم |
| وتيرة التحديث | كل 5 سنوات | مستمرة قضائياً | سنوية تلقائية |
| الأضرار الكهربائية | مشمولة صراحة | مشمولة عامة | مشمولة عامة |
| تقادم الدعوى | 5 سنوات | 10 سنوات (للأضرار البدنية) | سنة واحدة (للمسؤولية المدنية) |
خاتمة: إن القانون رقم 70.24 يمثل محاولة من المشرع المغربي لتقليص الهوة بين « الجمود التشريعي » و »الواقع الاقتصادي ».
ومن خلال استثناء مصاريف الجنازة من تشطير المسؤولية ومراجعة الجداول المالية دورياً ، يقترب المغرب من المعايير المعمول بها في الضفة الشمالية للمتوسط، مع الحفاظ على خصوصية نظامه المبني على الجداول المحددة سلفاً لضمان سرعة التسويات الودية.
لكنه لم يأخد بعين الاعتبار السياق التاريخي والاقتصادي الذي تم من خلاله سن ظهير 2 اكتوبر 1984، باعتبار الوضعية الاقتصادية المتأزمة والوضعية الكارثية لقطاع التامين انذاك. واكتفى بتعديل طفيف لهذا القانون.
في حين ان اغلب الباحثين القانونيين يرون ان الوضع الاقتصادي ووضعية قطاع الأمين عن حوادث السير يفرض الرجوع عن الاجراءات التمييزية التي اقرت في تلك الروف السابق، وسن تشريع جديد يحقق العدالة ويضمن التعويض المنصف للضحايا.