إلزامية الإدلاء بالبريد الإلكتروني للمدعى عليه في التطبيق المنحرف للمادة 77 من ق م م: تعجيز للمدعي ومخاطر للمدعى عليه!!!

حين يتحول النص الإجرائي من وسيلة لتيسير العدالة وضمان حق الدفاع إلى عقبة مسطرية تعطل ولوج المتقاضين إلى المحاكم، نصبح أمام خلل تشريعي أو تطبيق قضائي يعكس فجوة عميقة بين النص والواقع.

1- إلزام غير معقول بالنسبة للمدعي:

إشكالية اشتراط البريد الإلكتروني للشخص المعنوي، سواء في مقال الدعوى أو في إجراءات التبليغ وفق المادة 77 من قانون المسطرة المدنية، تطرح تناقضاً قانونياً وعملياً حاداً لعدة اعتبارات:

 

    • تكليف بما لا يُستطاع (المسؤولية المستحيلة): تحميل المدعي عبء الإدلاء بالبريد الإلكتروني للطرف المدعى عليه أو حتى لنفسه في ظل غياب سجل وطني رسمي وموثوق ومتاح للعموم للبيانات الرقمية للشركات والجمعيات، يجعل الإجراء ضرباً من التعسف. المدعي ليس جهة ضبطية أو استخباراتية ليعرف البريد الإلكتروني المعتمد لخصمه.

    • غياب الإلزام التأسيسي الموازي: لا يلزم القانون التجاري ولا قانون الشركات ولا حتى قانون الجمعيات هذه الكيانات بالتصريح بإلزامية البريد الإلكتروني وسيلةً وحيدة أو رسمية للتبليغ القضائي عند التأسيس أو التسجيل في السجل التجاري، مما يخلق تعارضاً تشريعياً؛ فكيف تفرض مسطرة التقاضي بيانات لا يفرض القانون الموضوعي إنشاءها أو إشهارها؟

    • المساس بالحق الدستوري في التقاضي: ترتيب جزاء عدم القبول أو إرجاع المقال أو عرقلة مسار الدعوى بسبب إغفال بيانات رقمية غير منصوص على إشهارها بقانون ملزم يُفرغ الفصل 118 من الدستور (ضمان حق التقاضي) من محتواه، ويجعل الشكليات وسيلة لإنكار العدالة بدلاً من تأمينها.

    • الخلط بين التحول الرقمي وتجريد النص من روحه: الغاية من الرقمنة هي تسريع المساطر وتجاوز بطء التبليغ التقليدي، وليس خلق « كمائن إجرائية » تُسقط الدعاوى في المهد. النص الإجرائي وُجد ليخدم الحق الجوهري، فإذا عارضه أو جعله مستحيلاً، انحرف عن غايته الطبيعية.

2- مخاطر بالنسبة للمدعى عليهم:

هذه الفكرة تكشف عن المفارقة القانونية والعملية الأشد خطورة في هذا التطبيق الإجرائي؛ فالتحول من اشتراط بريد إلكتروني رسمي ومخصص للتقاضي إلى قبول أو إلزام المدعي بتقديم « أي بريد إلكتروني متوفر » ينقل المسطرة من خانة العبث إلى خانة نسف شروط المحاكمة العادلة تماماً.

تتجلى خطورة هذا التوجه في أربعة محاور أساسية:

 

    • التبليغ لجهات غير مختصة وظيفياً: الشركات والمؤسسات الكبرى تملك عشرات العناوين الإلكترونية المتاحة للعموم (مثل contact@… أو support@… أو recrutement@…). إرسال استدعاءات قضائية أو مقالات افتتاحية إلى هذه الصناديق يعني وصولها إلى موظفي خدمة العملاء أو الموارد البشرية أو متدربين لا صفة لهم قانونياً ولا دراية إجرائية لديهم لتمثيل المؤسسة، مما يفوت آجال الطعن أو الرد ويُنتج أحكاماً غيابية معيبة.

    • إهدار قرينة العلم اليقيني: جوهر التبليغ القضائي هو تحقيق العلم اليقيني للشخص المعنوي عبر ممثله القانوني أو إدارته القانونية. تحويل التبليغ إلى وسيلة غير مؤمنة وغير مخصصة للنزاعات يُهدر هذه الضمانة الجوهرية، ويساوي بين إشعار تجاري عابر وتبليغ مسطري تترتب عليه آثار قانونية حاسمة كحيازة الأحكام لقوة الشيء المقضي به.

    • إلقاء عبء التحري والمخاطرة على المدعي: إجبار المدعي على نبش المواقع الإلكترونية أو الصفحات الاجتماعية لاستخراج أي عنوان بريد إلكتروني يجعل صحة مسطرته مهددة بالبطلان في أي لحظة. فإذا طعن المدعى عليه لاحقاً بإنكار توصله بالاستدعاء لكون البريد لا يخص إدارته القانونية، سيدفع المدعي ثمن هذا التخبط الإجرائي إما بإلغاء الحكم أو إعادة المسطرة برمتها.

    • غياب الحجية الرقمية والإثبات: في غياب بريد رسمي مؤمن وموثق بشهادات رقمية معتمدة من الدولة تضمن تاريخ الإرسال وتأكيد التوصل التقني، يسهل الدفع بعدم التوصل (كأن تُصنف الرسالة تلقائياً كبريد عشوائي Spam أو يتعطل الخادم)، ما يفتح الباب واسعاً لنزاعات فرعية حول صحة الإرسال الرقمي بدل التركيز على جوهر الخصومة.

التحول الرقمي القضائي السليم يقتضي حصر التبليغ الرقمي في عناوين مهنية رسمية ومصرح بها مسبقاً في منصة وطنية مركزية للتقاضي الرقمي، وليس فتح الباب لاجتهادات عشوائية ترتكز على « أي بريد متاح » يُفرغ إجراء التبليغ من كل أمان قانوني.

الحل العملي والمنطقي، في انتظار ملاءمة تشريعية شاملة، يقتضي التعامل مع هذه البيانات على سبيل الاستئناس أو الاشتراط عند الإمكان فقط، مع إبقاء القنوات التقليدية والبيانات الواقعية (العنوان الحقيقي، المقر الاجتماعي، السجل التجاري) كافية لصحة المقال ومتابعة إجراءات الدعوى.