
مقدمة
عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تصاعدا لافتا في قرارات هدم المساكن والمباني من طرف السلطة التنفيذية المحلية، في سياق محاربة البناء غير القانوني، وتحرير الملك العمومي، وتنفيذ برامج إعادة التهيئة والتجديد الحضري، مما أثار نقاشا حادا حول مدى احترام هذه القرارات لمقتضيات الشرعية والمشروعية، وللحقوق الدستورية في الملكية والسكن والعيش الكريم. وتتجلى خطورة قرار الهدم في كونه يمسّ مباشرة حق الملكية وحق السكن، ويترتب عنه غالبا ضرر مادي ومعنوي جسيم قد يصبح معه القضاء بالإلغاء عديم الجدوى بعد التنفيذ، بما يرفع من مكانة الرقابة القضائية السابقة واللاحقة على هذا القرار الإداري.
تُطرح تبعا لذلك إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يوفر الإطار القانوني المنظم لسلطة الهدم – في مجال التعمير، المباني الآيلة للسقوط، ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة والتجديد الحضري – ضمانات كافية لحقوق الأفراد، وكيف بلور القضاء الإداري المغربي، ومعه قضاء محكمة النقض، توجهاته إزاء هذه القرارات سواء في نطاق دعاوى الإلغاء وإيقاف التنفيذ أو في نطاق دعاوى التعويض ونظرية نزع الملكية غير المباشر؟

المبحث الأول: الإطار القانوني لسلطة الهدم في القانون المغربي
المطلب الأول: الأسس التشريعية لقرارات الهدم
الفقرة الأولى: الهدم كجزاء إداري في قانون التعمير (القانون 66‑12)
يُعد القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير – كما تم تغييره وتتميمه بالقانون 66‑12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء – الإطار التشريعي الأساسي الذي ينظم مخالفات التعمير والجزاءات المترتبة عنها، وفي مقدمتها الأمر الإداري بالهدم. فقد أدى القانون 66‑12 إلى تشديد منظومة الرقابة والزجر من خلال توسيع صلاحيات أعوان المراقبة، وفرض مساطر دقيقة للمعاينة والإنذار، ورفع العقوبات الزجرية، والاستجابة للانتقادات التي وُجّهت لضعف فعالية الترسانة السابقة في مواجهة البناء العشوائي.
وتنص المواد 68 و69 و77 من القانون 12.90 كما تم تتميمه على الإطار الإجرائي والموضوعي للأمر بالهدم، حيث تُجيز للسلطة الإدارية المختصة إصدار قرار بهدم البناء المخالف بعد ثبوت المخالفة بموجب محضر رسمي، وتبليغ المعني بالأمر، ومنحه أجلا للتصحيح أو الإيقاف. كما تضيف المادة 80‑1 (المدرجة بالقانون 66‑12) بعدا قضائيا للهدم، إذ توجب على المحكمة الزجرية، في حالة الإدانة بمخالفة تعميرية معينة، أن تحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، بما في ذلك هدم الأبنية موضوع المخالفة على نفقة المحكوم عليه.
الفقرة الثانية: الهدم الوقائي في المباني الآيلة للسقوط (القانون 94‑12)
إلى جانب الهدم الزجري المرتبط بمخالفة ضوابط التعمير، تبنّى المشرع إطارا خاصا بالمباني الآيلة للسقوط من خلال القانون رقم 94‑12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري. يميز هذا القانون بين حالة الخطر غير الحال، الذي يُمكّن المالك من أجل لإصلاح البناية أو هدمها تلقائيا، وحالة الخطر الحال الذي يبرر تدخلا فوريا من السلطة الإدارية لهدم البناية حماية لسلامة الأشخاص والممتلكات، بعد استشارة لجنة تقنية مختصة.
في هذا السياق يغلب على قرار الهدم طابع التدبير الوقائي لحماية النظام العام (السلامة العامة)، وليس جزاء عن مخالفة تعميرية، مع ما يستتبع ذلك من ضرورة احترام مبدأ التناسب بين جسامة الخطر وطبيعة التدخل، وإمكانية مساءلة الإدارة أو الجماعات الترابية تعويضيا إذا كان الخطر راجعا لإهمال مرافق العموم أو عيوب في التهيئة أو البنية التحتية.
الفقرة الثالثة: الهدم في إطار نزع الملكية والتجديد الحضري

يُمارس الهدم أيضا في إطار تنفيذ مشاريع التهيئة والتجديد الحضري الكبرى، حيث يترتب عن اعتماد تصاميم تهيئة جديدة أو برامج إعادة هيكلة أحياء بكاملها ضرورة إزالة مبانٍ قائمة لإحداث طرق ومرافق ومشاريع عمرانية جديدة. ويُفترض، من حيث المبدأ، أن تخضع هذه العمليات لقانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة رقم 7.81، الذي يفرض مرسوم إعلان المنفعة العامة، وتحديد العقارات المعنية، ثم مقرر التخلي وتحديد التعويض أمام القضاء أو باتفاق رضائي، قبل مباشرة الإفراغ والهدم.
غير أن الممارسة أبانت عن حالات نُفذت فيها عمليات هدم في سياق إعادة تهيئة الرباط والدار البيضاء وبعض الأحياء التاريخية، دون استكمال مسطرات نزع الملكية أو قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول مبلغ التعويض مع المالكين، وهو ما أثار نقاشا حقوقيا وقانونيا حول الأساس القانوني المباشر لهذه التدخلات، وحول مدى انسجامها مع الضمانات التي يقرها القانون والدستور.
المطلب الثاني: سلطة الإدارة في الهدم ومراحل ممارسة هذه السلطة

الفقرة الأولى: الجهة المختصة بإصدار قرار الهدم
تُسند مقتضيات القانون 12.90 كما وقع تتميمه، والتشريعات التطبيقية، سلطة إصدار الأمر الإداري بالهدم في مجال مخالفات التعمير إلى السلطة الإدارية الترابية، ممثلة في العامل أو الوالي، مع إمكانية التفويض للقائد أو الباشا بحسب التقسيم الترابي.
ويُفهم من توجيهات وزارة التعمير والدلائل العملية أن هذا الحصر يهدف إلى توحيد جهة القرار وتفادي تضارب الاختصاص بين المجالس الجماعية والسلطة المحلية، مع إبقاء دور رئيس المجلس الجماعي في التبليغ والتنسيق وإثارة المتابعة عند الاقتضاء.
الفقرة الثانية: مسطرة إصدار وتنفيذ قرار الهدم
تُظهر الأدبيات التطبيقية والدلائل الرسمية أن مسطرة الهدم الإداري تمر بمراحل متسلسلة:
- معاينة المخالفة من طرف عون أو مهندس أو تقني مؤهل، مع تحرير محضر يتضمن هوية المعني، وصف المخالفة، مرجع الرخصة أو انعدامها، تحديد الموقع والمساحة.
- التبليغ والإنذار بإيقاف الأشغال، أو بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه داخل أجل معين، مع إعلام المخالف بالجزاءات المحتملة عند عدم الامتثال.
- إصدار قرار الهدم من طرف الجهة المختصة، بعد التثبت من عدم الاستجابة للإنذار، ويكون القرار مكتوبا، معللا، محددا للعقار المعني وللأجل الممنوح لتنفيذ الهدم بشكل طوعي.
- التنفيذ الجبري عند الامتناع، عبر لجنة تقنية وبحضور السلطة المحلية والقوة العمومية، وعلى نفقة المخالف، مع تحرير محضر بالتنفيذ.
هذا التعقيد الإجرائي يجعل من قرار الهدم عملا إداريا مركبا، يُفتح من خلاله أكثر من مدخل للطعن أمام القضاء الإداري (الاختصاص، الشكل، التعليل، السبب، الانحراف في استعمال السلطة).
الفقرة الثالثة: التمييز بين سلطة الإدارة في الهدم والحكم القضائي بالهدم
يقتضي التحليل الدقيق للنظام القانوني للهدم التمييز بين مجال سلطة الإدارة في إصدار أمر الهدم ومجال السلطة القضائية في الحكم به كجزاء أو كتدبير تكميلي. فالقانون 66‑12 خوّل للإدارة، في شخص العامل أو من يفوض له، صلاحية اتخاذ قرار إداري بالهدم في الحدود والشروط التي يفرضها قانون التعمير، دون اشتراط صدور حكم قضائي مسبق، ما دام القرار يستوفي المسطرة القانونية ويمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري.
في المقابل، يختص القضاء الزجري والأحيانا الإداري بالحكم بالهدم في نطاق الدعوى العمومية أو دعاوى إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، بناء على مقتضيات المادة 80‑1 من قانون 12.90 ونصوص أخرى ذات صلة، بحيث يكون الهدم هنا عقوبة أو تدبيرا تكميليا يُقضى به بعد مناقشة المخالفة أمام القضاء وضمان حقوق الدفاع. ويترتب عن ذلك أن اشتراط الحكم القضائي مسبقا كشرط لصحة كل هدم لا يجد سنده في القانون إلا في الحالات التي أوكل فيها المشرع صراحة سلطة الهدم إلى القضاء، بينما يبقى الأصل هو صلاحية الإدارة في التدخل بقرار إداري مستقل، تحت رقابة القضاء الإداري.
الفقرة الرابعة: التمييز بين الهدم أثناء ارتكاب المخالفة والهدم بعد اكتمال البناء
تظهر أهمية أخرى للتمييز في البعد الزمني لممارسة الهدم، بين التدخل خلال مرحلة إنجاز المخالفة (أثناء الأشغال) والتدخل بعد اكتمال البناء.
- أثناء الأشغال: تستهدف مسطرة المراقبة إيقاف تفاقم المخالفة قبل أن تتحول إلى واقع عمراني راسخ، فيتم التركيز على أوامر وقف الأشغال، وفرض تصحيح الوضعية (تعديل الواجهة، احترام العلو، التراجع عن الملك العمومي)، ولا يُلجأ إلى الهدم إلا عند استمرار المخالفة أو في الحالة التي لا يمكن فيها تصحيح الوضع إلا بالإزالة.
- بعد اكتمال البناء: يصبح الهدم أكثر خطورة لارتباطه بمراكز قانونية ومصالح اجتماعية واقتصادية مستقرة (سكن، استغلال مهني، رهون، عقود كراء…)؛ لذلك توجه النصوص والتطبيقات إلى التمييز بين المخالفات القابلة للتسوية أو التصحيح (زيادة طابق، تغيير تقسيم داخلي…) والمخالفات غير القابلة للتسوية كالبناء على الملك العمومي أو في مناطق ممنوع فيها البناء، أو التجزئات غير المرخصة فوق أملاك الدولة. ويُلحّ التشريع والتوجيهات العملية على أن الهدم بعد اكتمال البناء ينبغي أن يبقى استثناءً يُلجأ إليه بعد استنفاد إمكانيات التسوية؛ وهو ما تدعمه أيضا بعض القراءات العملية لقانون 66‑12.

المطلب الثالث: الهدم وإمكانية تسوية وضعية البنايات المخالفة
تبنّى المشرع في السنوات الأخيرة سياسة واضحة نحو إعطاء الأسبقية لتسوية وضعية البنايات غير القانونية كلما أمكن ذلك، عبر آليات رخص التسوية وأداء الغرامات، وجعل الهدم تدبيرا أخيرا في هرم الجزاءات.
فقد صدر المرسوم رقم 2.18.475 المتعلق بتحديد إجراءات وكيفيات منح رخص التسوية، وتلاه المرسوم رقم 2.23.103 الذي أعاد فتح آجال جديدة لتسوية وضعية البنايات غير القانونية ووسع من نطاقها، من خلال تمكين حتى بعض البنايات التي حُررت بشأنها محاضر مخالفات سابقة من إمكانية التسوية، بشروط محددة. وتهدف هذه الآليات إلى إدماج البنايات غير القانونية في النسيج العمراني الرسمي، بشرط ألا تكون مشيدة فوق ملك عمومي أو في مجالات يمنع فيها البناء بموجب وثائق التعمير، وأن تثبت سلامتها التقنية وعدم إضرارها بحقوق الغير.
وترتبط رخصة التسوية في الغالب بأداء غرامات مالية تُقدّر بحسب نوع المخالفة ومساحتها وطبيعتها، وتُعتبر هذه الغرامات مقابلا لعدم اللجوء إلى الهدم، حيث تُمنح بعد ذلك رخصة تسوية تعتبر بمثابة ترخيص لاحق يمكن على أساسه تحيين الرسوم العقارية والتقارير التعميرية. وبالمقابل، تُحصر حالات الهدم الوجوبي في فئات محددة أبرزها: البناء على الملك العمومي أو الأراضي المحمية، دور الصفيح والأحياء العشوائية موضوع برامج إعادة الإيواء، والمباني الآيلة للسقوط، إضافة إلى الحالات التي لا يمكن فيها التسوية لاصطدامها جذريا بوثائق التهيئة.
هذا التمايز بين مسار «التسوية» ومسار «الهدم» يطرح على القضاء الإداري، عند بسط رقابته على مشروعية قرارات الهدم، سؤالا حول مدى استنفاد الإدارة للإمكانيات التصالحية والبديلة قبل اللجوء إلى أخطر الجزاءات التعميرية.
المبحث الثاني: توجهات القضاء الإداري والقضائي في منازعات الهدم
المطلب الأول: رقابة الإلغاء وإيقاف التنفيذ على قرارات الهدم
أظهرت أحكام المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية أن القضاء الإداري المغربي يمارس رقابة مشددة نسبيا على قرارات الهدم، من خلال فحص عناصر المشروعية الخمسة، مع اهتمام خاص بعيوب الاختصاص والشكل والتعليل نظرا لجسامة أثر الهدم.
ففي مجال الاختصاص، تُلغى قرارات صدرت عن جهات غير مخولة قانونا بإصدار الأمر بالهدم، كأن يصدر القرار عن رئيس مجلس جماعي في نطاق يختص فيه العامل أو الوالي، أو عن سلطة إدارية لا يستند تدخلها إلى نص صريح. أما على مستوى الشكل، فقد اعتبر القضاء عدم استيفاء مسطرة المعاينة والتبليغ والإنذار، أو غياب التعليل الكافي، سببا لإلغاء قرارات هدم استهدفت بنايات قائمة.
وفي نطاق إيقاف التنفيذ، يُظهر العمل القضائي اتجاهين: اتجاه يميل إلى رفض طلبات الإيقاف عندما تكون المخالفة التعميرية ثابتة بشكل واضح، ويبرز عنصر المصلحة العامة في احترام وثائق التعمير، واتجاه آخر يقر بإيقاف التنفيذ متى تبيّن للمحكمة أن وسائل الطعن جدية وأن الضرر المتوقع من التنفيذ لا يمكن تداركه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسكن الرئيسي أو مبنى قائم منذ مدة طويلة. ويُستشف من حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 173/7110/2018، الذي أشار إليه تعليق فقهي، أن القاضي الإداري لا يتردد في إلغاء قرار هدم أو إيقاف تنفيذه إذا تضمن تطبيق قانون 66‑12 بأثر رجعي على وقائع سابقة، معتبرا ذلك خرقا لمبدأ عدم رجعية القوانين الزجرية المنصوص عليه دستوريا.
المطلب الثاني: تمييز القضاء بين الجزاءات الإدارية والزجرية
أكد قرار منشور للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) – منشور في موقع اللجنة الوطنية للاجتهاد القضائي – أن إقامة بناء بدون رخصة يعد موجبا للهدم، وأن المتابعة الزجرية في مجال مخالفات التعمير لا تحول دون اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة، ومنها الهدم، متى تحققت إحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين 68 و69 من قانون التعمير. واعتبر القرار نفسه أن تقاعس الإدارة عن تطبيق مقتضيات المادتين المذكورتين يخول للمحكمة المختصة أن تأمر بهدم البناء أو القيام بالأشغال الضرورية لتطابق العقار مع الأنظمة الجاري بها العمل، على نفقة المخالف، استنادا إلى المادة 77 من نفس القانون.
ويُفهم من هذا الاجتهاد أن القضاء المغربي يعترف بازدواجية مساطر الهدم (الإدارية والقضائية)، ولا يرى في توازيهما تناقضا، بل يعتبرهما مكمّلين لحماية النظام العام العمراني، مع الحفاظ على حق الأفراد في الطعن في القرارات الإدارية أو في الأحكام الزجرية أو المدنية التي تأمر بالهدم.
المطلب الثالث: التعويض عن قرارات الهدم غير المشروعة
أبرزت بعض القرارات القضائية – من بينها قرار لمحكمة النقض استندت إليه مقالة «هدم دون ترخيص ومسؤولية الدولة عن القرار الإداري غير المشروع» – أن تنفيذ قرار الهدم يجعل دعوى الإلغاء عديمة الجدوى من الناحية العملية، لكنه لا يحرم المتضرر من الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن القرار غير المشروع. ففي هذه القضية، تبيّن أن المتضرر بُرّئ جنحيا من تهمة مخالفة التعمير، بينما كان جزء من بنايته قد هُدم تنفيذا لقرار إداري، فاعتبرت المحكمة أن عدم مشروعية القرار، المترتبة عن البراءة، تُلزم الدولة بتعويض المعني عن الأضرار، مع الأمر بإزالة الأنقاض التي تهدد سلامة العمارة.
ويستخلص من هذا التوجه أن القضاء الإداري والقضائي يتحول، عندما يفقد الإلغاء جدواه بعد التنفيذ، إلى منطق قضاء التعويض، عبر تكييف قرار الهدم غير المشروع كخطأ مرفقي أو كاعتداء مادي على الملكية، يفتح للمتضرر الحق في تعويض عن الضرر الحالي والمحقق الناشئ مباشرة عن القرار، وفقا لمبادئ قانون نزع الملكية والتزامات الدولة في حماية حق الملكية.
المطلب الرابع: الهدم التخطيطي ونزع الملكية غير المباشر

يثير الهدم المترتب عن تنفيذ تصاميم التهيئة ومشاريع إعادة التهيئة والتجديد الحضري، دون سلوك مسطرة نزع الملكية أو قبل استكمالها، إشكالا وثيقا بنظرية نزع الملكية غير المباشر والاستيلاء المادي. فحين يؤدي تنفيذ تصميم تهيئة إلى هدم مبانٍ قائمة وإخلاء ساكنتها وإدماج العقار في مشروع عمومي (طريق، ساحة، مشروع استثماري…) دون أن يكون قد صدر مرسوم إعلان المنفعة العامة أو مقرر التخلي وفق القانون 7.81، نكون أمام مساس فعلي بالملكية الخاصة دون احترام المساطر القانونية.
وقد اعتبر القضاء الإداري، في قضايا متعددة تتعلق بالاستيلاء على العقارات دون احترام مسطرة النزع، أن مثل هذه الأفعال تشكل نزع ملكية غير مباشر، يستوجب تعويض المالك عن فقدان ملكيته، حتى لو كان المشروع العمومي قد أنجز فعليا، مع رفض إضفاء الشرعية على الاعتداء المادي بحجة المنفعة العامة. وبإسقاط هذه النظرية على حالات الهدم التخطيطي، يمكن للمتضررين الدفع أمام القضاء بأن هدم بناياتهم وضم عقاراتهم لمجال المشاريع العمومية يشكل استيلاء ماديا على الملكية، يبرر الحكم لهم بالتعويض الملائم، حتى إذا تعذر إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه بسبب اكتمال المشروع.
المبحث الثالث: الحكامة المرفقية وميثاق المرافق العمومية في ممارسة سلطة الهدم
أدخل القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية بعدا أفقيا جديدا لممارسة السلطات الإدارية، حيث أرسى مبادئ عامة للحكامة الجيدة ينبغي أن تخضع لها جميع المرافق العمومية، من حيث التنظيم والتسيير والعلاقة بالمرتفقين. وينص الميثاق على مبادئ احترام القانون، المساواة، الإنصاف، الجودة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بوصفها قواعد موجّهة لأنشطة الإدارة في مختلف المجالات، بما فيها مجال التعمير والهدم.
وبناء عليه، لا يُنظر إلى قرار الهدم كتنزيل آلي لمقتضيات قانون 66‑12 فقط، بل باعتباره فعلا مرفقيا يجب أن ينسجم مع مبادئ الحكامة، وهو ما يعني عمليا:
- التزام مبدأ احترام القانون، عبر التقيد الصارم بمسطرة المعاينة والتبليغ والإنذار والتعليل، ورفض أي تطبيق رجعي أو انتقائي للقانون.
- احترام المساواة والإنصاف، بتجنب المعايير المزدوجة في اختيار البنايات المستهدفة بالهدم ضمن نفس الحي أو نفس نوع المخالفة.
- تفعيل الشفافية، بتعميم المعلومة حول لوائح الأحياء والمباني المعنية بالهدم، وبيان الأساس القانوني لكل قرار، وتمكين المتضررين من الاطلاع على ملفاتهم والتظلم.
- تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال قابلية قرارات الهدم للمراقبة القضائية، وإمكانية مساءلة المسؤولين عن أي انحراف أو تعسف في استعمال السلطة، وإقرار مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن القرارات غير المشروعة.
ويطرح هذا الإطار الجديد على القضاء الإداري تحدّي إدماج مبادئ ميثاق المرافق العمومية ضمن معايير رقابة المشروعية، عبر مساءلة الإدارة ليس فقط عن احترامها لنصوص قانون التعمير في حد ذاتها، بل أيضا عن مدى انسجام سلوكها مع قيم المساواة والإنصاف والشفافية التي أصبح لها سند قانوني خاص.
خاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن الإطار القانوني المنظم لسلطة الهدم بالمغرب – في تداخل بين قانون التعمير 12.90 المعدل بالقانون 66‑12، والقانون 94‑12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط، وقانون 7.81 بشأن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وكذا المراسيم المتعلقة بتسوية البنايات غير القانونية – يضع ترسانة واسعة تخوّل للإدارة والقضاء معا صلاحيات مهمة في مواجهة المخالفات العمرانية وتنفيذ مشاريع التجديد الحضري. غير أن الواقع العملي، كما تعكسه موجة الهدم في عدد من المدن، يكشف عن توترات قوية بين هاجس ضبط المجال العمراني ومحاربة العشوائية من جهة، ومتطلبات حماية الحق في الملكية والسكن والأمن القانوني من جهة أخرى.
وقد سعى القضاء الإداري والقضائي إلى بلورة توازن دقيق عبر تكريس رقابة مشددة نسبيا على مشروعية قرارات الهدم، وتمييز الهدم الإداري عن الهدم القضائي، والاعتراف بإمكانية التعويض عن الهدم غير المشروع، واستعمال نظرية نزع الملكية غير المباشر في مواجهة بعض مظاهر الهدم التخطيطي التي لا تحترم مساطر النزع والتعويض. وفي السياق نفسه، رسخ المشرع من خلال ميثاق المرافق العمومية ومراسيم تسوية البنايات غير القانونية فلسفة جديدة تجعل من الهدم تدبيرا استثنائيا يُلجأ إليه بعد استنفاد إمكانيات التسوية، وتُلزم الإدارة بمبادئ الشفافية والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير هذا الملف الحساس.
من هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الاجتهاد التشريعي والقضائي لتقعيد معايير موضوعية وواضحة لاختيار الحالات التي يُلجأ فيها للهدم، وتوسيع مساطر التسوية والتصحيح والتعويض، وتعزيز ضمانات المتضررين في مواجهة قرارات الهدم، بما ينسجم مع روح الدستور المغربي والتزامات المملكة الدولية في مجال حقوق الإنسان.
للمزيد من التوسع في الموضوع:
أولا: النصوص التشريعية والتنظيمية
- القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، الجريدة الرسمية، مع النص المدمج المتاح بموقع الأمانة العامة للحكومة.
- القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري
- القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت (يمكن الاستعانة بالنشرة الموحدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حول نزع الملكية).
- القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية، الجريدة الرسمية عدد 6995، النص المدمج المتاح عبر بوابة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أو عبر ملفات PDF المتداولة.
- المرسوم رقم 2.18.475 المتعلق بتحديد إجراءات وكيفيات منح رخص الإصلاح والتسوية والتغيير في البنايات، الصادر في 8 شوال 1440 (12 يونيو 2019).
- المراسيم أو الدوريات المتعلقة بإعادة فتح آجال تسوية البنايات غير القانونية (مثل المرسوم 2.23.103 مع الاستئناس بدليل تسوية البنايات الصادر عن وزارة إعداد التراب الوطني).
ثانيا: دلائل وأعمال رسمية
- وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، «دليل مراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء» (نسخة PDF منشورة بموقع وزارة الداخلية/المديرية العامة للجماعات الترابية).
- وزارة إعداد التراب الوطني، «دليل عملي محدد لشكل وشروط إيداع ودراسة وتسليم الرخص والأذون بالتعمير»، نسخة PDF منشورة بموقع الجماعات الترابية.
- وزارة إعداد التراب الوطني، «دليل الممارسات الجيدة: تسوية البنايات غير القانونية»، نسخة PDF.
- بوابة idarati.ma، صفحة «رخصة تسوية البنايات غير القانونية»، تتضمن المعطيات الرسمية حول المسطرة والوثائق والشروط.
- بوابة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، صفحة «ميثاق المرافق العمومية».
هذه المراجع الرسمية مفيدة لدعم الجانب الوصفي للمسطرة وللاستشهاد بالمفاهيم الرسمية (الهدم كجزاء، التسوية، اللجان، إلخ).
ثالثا: مراجع فقهية ومقالات علمية
1. في موضوع الهدم ومخالفات التعمير
- المكي الصباغ، «الأمر الإداري بالهدم بين هاجس التلبية وإكراهات الواقع»، مجلة قانونك، العدد 9، أكتوبر 2021.
- مقالات تفسيرية حول قانون 66‑12 ومسطرة الهدم في المواقع المتخصصة (مثلا مقالات «تسوية البنايات غير القانونية بالمغرب: الواقع العملي» بموقع droit et entreprise، و«تسوية مخالفات البناء في المغرب 2026» بموقع aqaratmaroc).
- دراسة «ضبط مخالفات التعمير بالمغرب» بمنصة espace connaissance juridique، 2024.
2. في موضوع نزع الملكية والاعتداء المادي
- مقالة «نزع الملكية لأجل المنفعة العامة بين القانون والقضاء»، موقع عالم القانون.
- دراسة «اجتهادات قضائية خاصة بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة»، منشورة بمجلة أو ملف PDF عبر منصة IMIST.
- الحسن أولياس، «القاضي الإداري ما بين مراقبة الإجراءات الشكلية والجوهرية لدعوى الاعتداء المادي على الملكية العقارية»، منشور بموقع marocjustice.
- دراسة حديثة: «موقف القضاء الإداري من نقل الملكية في حالة التعويض عن الاعتداء المادي»، مجلة القانون والأعمال الدولية، عدد 63، أبريل 2026.
- محمد مسعودي، «انتهاء آثار المنفعة العامة بتصميم التهيئة بين النص والقضاء الإداري»، موقع Maroclaw.
3. في موضوع ميثاق المرافق العمومية والحكامة
- مقالات «ميثاق المرافق العمومية بالمغرب بين سؤالي الحكامة الجيدة ومستجدات التدبير العمومي»، منشورة في مجلة بوراق أو ابن خلدون .
- «قراءات متقاطعة في ميثاق المرافق العمومية»، تقرير أو أشغال ندوة منشورة في PDF.
4. في موضوع المنازعات المرتبطة بتصميم التهيئة والهدم التخطيطي
- «المنازعات القضائية المترتبة عن تنفيذ تصميم التهيئة العمرانية»، دراسة منشورة في إحدى المجلات العلمية (ابن خلدون/بوراق) حول تأثير الأنظمة العقارية على تنفيذ التصميم والنزاعات المرتبطة به.
- مقالات صحفية وتحليلية حول إعادة تأهيل الرباط والهدم المرتبط بالتجديد الحضري، مثل مقال «مشروع إعادة تأهيل العاصمة الرباط: جدل حول عمليات الهدم وترحيل ساكنة عكراش» في Legal Agenda.
رابعا: الاجتهاد القضائي (أحكام وقرارات يمكن توثيقها)
- حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 669 بتاريخ 5/4/2007، ملف رقم 470/1/05
– منشور ببوابة اللجنة الوطنية للاجتهاد القضائي CNEJ، حول هدم بناء بدون رخصة وتأكيد سلطة المحكمة في الأمر بالهدم عند تقاعس الإدارة، استنادا للمادتين 68 و69 والمادة 77 من قانون التعمير. - حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 173/7110/2018 بتاريخ 15/03/2018
– مذكور في مقالة «الهدم الإداري للبنايات القديمة في المغرب بين مقتضيات القانون ومتطلبات العدالة العمرانية» (حديث الاثنين)، اعتبر أن تطبيق القانون 66‑12 بأثر رجعي على بنايات قديمة يشكل خرقا لمبدأ عدم رجعية القوانين الزجرية. - قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 299/2020 بتاريخ 03/02/2020
– مذكور في نفس المقال، رسّخ أن الهدم لا يُمارس إلا في حالة خطر داهم أو مخالفة حديثة، وأن اللجوء إلى الهدم في حالات قديمة مستقرة يشكل تجاوزا للسلطة التقديرية. - قرارات محكمة النقض في مجال مخالفات التعمير
– القرار المنشور في CNEJ والمتعلق بهدم بناء بدون رخصة، الذي أكد أن إقامة بناء بدون رخصة موجب للهدم، وأن القضاء يمكن أن يأمر بهدم البناء عند تقاعس الإدارة عن تطبيق المادتين 68 و69.
– قرارات حول الاعتداء المادي ونزع الملكية غير المباشر، - أحكام المحاكم الإدارية في الاعتداء المادي ونزع الملكية غير المباشر
– مثال: الحكم رقم 1218 الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 17/06/2009 في الملف عدد 788/11/2008، في موضوع الاعتداء المادي.