المسارات الخاصة لولوج مهنة المحاماة بين فرنسا والمغرب: نحو إلزامية امتحان الأهلية والتكوين العلمي والعملي للجميع في ضوء قرار مجلس الدولة الفرنسي عدد 490946 الصادر بتاريخ 13 مارس 2026


المقدمة

عرفت مهنة المحاماة في السنوات الأخيرة دينامية تشريعية وقضائية ملحوظة، سواء في فرنسا أو في المغرب، تمحورت حول شروط الولوج ومساراته الخاصة الممنوحة لفئات معينة كقدماء القضاة، والأساتذة الجامعيين، وحاملي الدكتوراه، وبعض فئات الموظفين.
وقد جاء قرار مجلس الدولة الفرنسي عدد 490946 الصادر بتاريخ 13 مارس 2026 ليقدّم نموذجاً دقيقاً لكيفية ضبط هذه المسارات الاستثنائية، من خلال تأكيد مشروعيتها من حيث المبدأ، مع إخضاعها في الآن ذاته لرقابة صارمة على مصدر القاعدة القانونية وعلى تناسب الامتياز مع غاية ضمان كفاءة الولوج للمهنة وجودة الدفاع.

للاطلاع الكامل على قرار مجلس الدولة عبر بوابته الرسمية : https://www.conseil-etat.fr/fr/arianeweb/CE/decision/2026-03-13/490946
في المقابل يشهد المغرب نقاشاً محتدماً حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، وحول مدى استمرار الامتيازات الممنوحة لقدماء القضاة والأساتذة الجامعيين والموظفين الحاملين للدكتوراه، وما إذا كان من الملائم إعفاء هذه الفئات من امتحان الأهلية ومن مسار التكوين العلمي والعملي، أو إلزامها بهما على قدم المساواة مع باقي المرشحين.
ينطلق هذا المقال من منطق مقارن، يروم استلهام الدروس المستفادة من التجربة الفرنسية – كما عبّر عنها قرار مجلس الدولة لسنة 2026 – لاقتراح تأطير تشريعي أكثر اتساقاً في المغرب، يقوم على مبدأ عام هو خضوع جميع الراغبين في ممارسة مهنة المحاماة، مهما كانت فئاتهم وخبراتهم السابقة، لامتحان أهلية موحّد ولتكوين علمي وعملي ملزم، مع إمكانية الإبقاء على تمييزات محدودة للغاية في تفاصيل هذا المسار دون المساس بقاعدته المشتركة.


المبحث الأول: قرار مجلس الدولة الفرنسي عدد 490946 وضبط المسارات الخاصة للدكاترة والفئات المهنية

المطلب الأول: الإطار القانوني للنزاع والطلبات المعروضة

صدر المرسوم الفرنسي رقم 2023‑1125 بتاريخ 1 دجنبر 2023 ليعيد تنظيم التكوين المهني للمحامين وشروط الإعفاء من امتحان الولوج إلى مراكز التكوين (CRFPA)، بعد أن كان الامتياز القديم يمنح لجميع الدكاترة في القانون إعفاءً مطلقًا من هذا الامتحان.
هذا المرسوم ألغى القاعدة التنظيمية السابقة التي كانت تخول الإعفاء الشامل لكل الدكاترة، وعوّضها بنظام جديد يُبقي على مبدأ المسار الخاص للدكتور في القانون، لكن بشروط موضوعية إضافية: أن تكون الدكتوراه في القانون من جامعة فرنسية أو أوروبية، وأن يثبت المعني “كفاءات في القانون الفرنسي”، وأن يبرهن على ممارسة نشاط مهني مكمل في حقل قانوني (تدريس جامعي في القانون، أو عمل كقاضٍ مساعد، أو ممارسة مهنية قانونية لمدة معينة).


في هذا السياق تقدم كل من أحد الدكاترة في القانون والجمعية الفرنسية للدكاترة في القانون (AFDD) بطعون بالإلغاء لتجاوز السلطة ضد المادتين 15 و54 من المرسوم، كما طعن أحد الأساتذة الجامعيين في المادة 47 التي مددت إلزام اجتياز امتحان في الأخلاقيات والتنظيم المهني لفئات كانت تستفيد سابقاً من إعفاءات واسعة، من بينها قضاة وأساتذة جامعات وموظفون سامون.

المطلب الثاني: قبول مبدأ تقييد الامتياز ورفض تفويض السلطة التنظيمية للهيئة المهنية

أكد مجلس الدولة، في تعليله، أن السلطة التنظيمية تمتلك هامش تقدير واسع في تقييد منح الإعفاء من امتحان الولوج للدكاترة في القانون، عندما يكون هدفها ضمان أن الدكاترة الذين يُسمح لهم بالسير في المسار الخاص يتوفرون فعلاً على المعارف والمهارات التي تتيح لهم متابعة تكوين المحامي بنجاح، وبما يحفظ مستوى الشهادة المهنية.
وبناء عليه اعتبر المجلس أن اشتراط إثبات “كفاءات في القانون الفرنسي” وممارسة نشاط مهني قانوني مكمل لا يشكل تمييزاً غير مبرر ولا يمس بمبدأ المساواة، بل يعبّر عن علاقة تناسب بين الامتياز الممنوح (الإعفاء من امتحان الولوج) وبين القيمة العلمية والعملية التي يفترض أن يضيفها الدكتور في القانون إلى المهنة.
في المقابل رفض مجلس الدولة تفويض تحديد كيفية إثبات هذه “الكفاءات في القانون الفرنسي” إلى المجلس الوطني لهيئات المحامين (CNB)، بعلة أن هذا الأخير لا يملك في القانون سلطة تنظيمية في مجال شروط الولوج للمهنة، وأن منح هذه الصلاحية له يُعدّ خرقاً لقواعد توزيع الاختصاص بين السلطة التنظيمية العامة وبين الهيئات المهنية. ومن ثم قضى بإلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 54 من مرسوم 1991 في صيغتها الجديدة، دون المساس بباقي مقتضيات المرسوم.

المطلب الثالث: إخضاع الفئات ذات المسارات الخاصة لامتحان في الأخلاقيات والتنظيم المهني

أبعد من نزاع الدكاترة، بتّ مجلس الدولة في مشروعية توسيع إلزام اجتياز امتحان في “أخلاقيات المهنة والتنظيم المهني” ليشمل الفئات المستفيدة من إعفاءات جوهرية من التكوين ومن شهادة الأهلية، كالقضاة السابقين، وأعضاء الجهات القضائية العليا، والأساتذة الجامعيين في القانون، وبعض فئات الموظفين ذوي الخبرة القانونية الطويلة.
في هذا الصدد اعتبر القضاء الإداري أن مساواة هذه الفئات، من حيث إلزامها بامتحان في الأخلاقيات والتنظيم المهني، مع باقي المرشحين لا تمس مركزها ولا تنتقص من استقلالها، بل تشكل ضمانة أساسية لتوحيد الثقافة المهنية داخل هيئة المحامين ولحماية المتقاضين من أي تفاوت في تمثل قواعد النزاهة والاستقلال والسر المهني.
بهذا يكون قرار مجلس الدولة قد تبنى منطق “الحد الأدنى المشترك” الذي لا يجوز إعفاء أي فئة منه: امتحان في أخلاقيات المهنة وتنظيمها، حتى لو استفادت من إعفاءات واسعة في ما عدا ذلك.


المبحث الثاني: المسارات الخاصة في النظام المغربي بين قانون 2008 ومشروع 66.23

المطلب الأول: امتيازات الولوج في قانون مهنة المحاماة لسنة 2008

القانون المغربي المنظم لمهنة المحاماة لسنة 2008 يكرّس، على غرار النظام الفرنسي قبل إصلاحه الأخير، عدداً كبيراً من المسارات الخاصة للولوج، تمنح إعفاءات جزئية أو كلية من شروط تتعلق بالمستوى العلمي أو التمرين أو بعض الامتحانات.
فالقضاة السابقون، وبعض فئات القضاة الإداريين والماليّين، والأساتذة الجامعيون في الحقوق، والموظفون من الفئة الممتازة الذين مارسوا أنشطة قانونية لمدة معينة، وغيرهم من أصحاب الخبرة القانونية، يستفيدون من إمكانيات للولوج إلى جدول الهيئة بطرق مختصرة مقارنة بالمسار العادي للمحامي المتمرن الذي يخضع لامتحان الأهلية ثم لتكوين علمي وعملي منظم.
هذا التعدد في المسارات يعكس رغبة تاريخية في استيعاب النخب القضائية والإدارية والجامعية داخل مهنة المحاماة، وفي الاستفادة من تراكمها العلمي والعملي؛ لكنه يثير في الوقت نفسه نقاشاً مشروعاً حول مدى انسجام هذه الامتيازات مع مبدأ المساواة بين الحاصلين على نفس الشهادة، وحول أثرها على تجانس تكوين المحامين وعلى جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.

المطلب الثاني: مشروع القانون 66.23 والنقاش حول استمرار الامتيازات

يأتي مشروع القانون رقم 66.23 في سياق إعادة هيكلة شاملة للمهنة، من خلال الرفع من مستوى الشهادة العلمية المطلوبة، وإحداث معهد وطني للتكوين، وإعادة تنظيم مسار المتمرنين والامتحانات والتدريب.
غير أن المشروع – كما يتضح من النقاشات العمومية ومن مذكرات الهيئات المهنية والجمعيات – يواصل الاعتراف بجملة من المسارات الخاصة لفئات معينة، وإن مع إدخال بعض القيود أو التعديلات على شروطها ومدد الخبرة المطلوبة، مما أثار ردود فعل متباينة داخل الجسم المهني وبين الفاعلين الأكاديميين والقضائيين.
فبينما يدافع تيار عن ضرورة الإبقاء على هذه الامتيازات بحجة أن هذه الفئات أشد أهلية للممارسة بحكم خبراتها السابقة، يرى تيار آخر أن استمرار إعفاء فئات واسعة من امتحان الأهلية ومن التكوين العلمي والعملي المنظم يقوّض مبدأ المساواة بين المرشحين، ويُضعف صورة المهنة، ويخلق تفاوتاً في التكوين وفي استيعاب قواعد أخلاقيات المهنة بين الأعضاء.


المبحث الثالث: نحو قاعدة موحدة في المغرب: إلزامية امتحان الأهلية والتكوين العلمي والعملي للجميع

المطلب الأول: استلهام منطق “الحد الأدنى المشترك” في التجربة الفرنسية

تكشف التجربة الفرنسية، كما عكستها التعديلات التنظيمية موضوع قرار مجلس الدولة لسنة 2026، أن الحفاظ على المسارات الخاصة لبعض الفئات لا يعني بحال إعفاءها من الخضوع لحد أدنى مشترك من الاختبارات والتكوين.
فالقرار محل الدراسة يقرّ من حيث المبدأ بأن الفئات التي راكمت خبرة قانونية أو بحثاً علمياً عميقاً – كالدكاترة والقضاة والأساتذة – يمكن أن تستفيد من اختصارات معينة في مسار الولوج، لكن دون أن يُعفى أيٌّ منها من امتحان في أخلاقيات المهنة وتنظيمها، ودون أن تُسند سلطة تحديد شروط هذا المسار إلى الهيئة المهنية منفردة.
هذا المنطق يقود إلى استخلاص قاعدة معيارية يمكن أن يسترشد بها المشرع المغربي: المسار الخاص جائز، لكن بشرط أن يُبنى على تبرير موضوعي واضح، وأن لا يفضي إلى إعفاء أي فئة من الخضوع لآلية اختبار وتكوين تضمن امتلاكها للحد الأدنى من المعارف والمهارات المهنية المشتركة بين كل المحامين.

المطلب الثاني: مبدأ إلزامية امتحان الأهلية لجميع المرشحين

انطلاقاً من هذه القاعدة يمكن الدفاع بقوة عن اعتماد مبدأ مفاده أن امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة يجب أن يكون إلزامياً لجميع الراغبين في دخول المهنة، دون استثناء، بما في ذلك:

  • القضاة السابقون بمختلف فئاتهم،
  • الأساتذة الجامعيون في الحقوق وحاملو الدكتوراه،
  • الموظفون الحاملون لشهادات عليا والذين مارسوا أنشطة قانونية،
  • وغيرهم من أصحاب الخبرة القانونية الخاصة.
    غير أن إلزامية امتحان الأهلية لا تمنع من مراعاة الخصوصيات، فيمكن التفكير في:
  • تخصيص أجزاء من الامتحان للمواد التي تعتبر أساسية لجميع الممارسين، كأخلاقيات المهنة والتنظيم المهني ومهارات المرافعة والصياغة؛
  • مع إمكان إعفاء بعض الفئات من أجزاء أخرى ذات طابع تمهيدي بحت، إذا ثبت أن تكوينها السابق يغطي هذه الجوانب بصورة كافية.
    بهذا المعنى يكون الامتحان موحداً في جوهره، لكنه مرناً في هوامشه، دون أن يُترك المجال لإعفاءات كلية تجعل بعض الفئات تلج المهنة دون أي تقييم موضوعي حديث لكفاءاتها.

المطلب الثالث: التكوين العلمي والعملي كشرط ملازم للقبول في المهنة

كما يظهر من الإصلاحات الفرنسية، لا يكفي امتحان الولوج وحده لضمان جودة المحامين، بل لا بد من مسار تكوين علمي وعملي منظم، داخل مراكز أو معاهد متخصصة، يخضع له جميع الناجحين في امتحان الأهلية، مع إمكان تكييف مدته ومضامينه بحسب المسارات الخاصة.


في السياق المغربي، وإلى جانب ضرورة تعميم امتحان الأهلية، يبدو من المتسق أن يعتمد المشرّع قاعدة مفادها أن كل من يقيد في جدول المحامين يجب أن يخضع لتكوين منظم في معهد وطني أو مراكز جهوية، يجمع بين:

  • وحدات نظرية في قانون المرافعات، والقانون المهني، وتقنيات الدفاع والصلح والتفاوض؛
  • ووحدات عملية تشمل التدريب داخل مكاتب المحامين، وحضور الجلسات، والمشاركة في العيادات القانونية، والتمارين التطبيقية على تحرير المذكرات والعقود والطعون.
    يمكن، مرة أخرى، أن تختلف مدة هذا التكوين بين المسار العادي والمسارات الخاصة، بحيث يُمنح أصحاب الخبرة القضائية أو الجامعية تخفيضاً في المدة أو تخفيفاً في بعض الوحدات النظرية التي أثبتوا التمكن منها، لكن دون إعفاء كامل من المرور عبر تجربة تكوين مهني مؤسسية موحدة.

المطلب الرابع: الضمانات المؤسسية لتطبيق هذه القاعدة في مشروع القانون المقبل المنظم لمهنة المحاماة

لكي لا تبقى قاعدة “إلزامية امتحان الأهلية والتكوين العلمي والعملي للجميع” شعاراً عاماً، ينبغي ترجمتها في نصوص مشروع المقبل المنظم لمهنة المحاماة من خلال:

  1. التنصيص الصريح في القانون على أن الولوج إلى مهنة المحاماة لا يتم إلا بعد النجاح في امتحان أهلية وطني موحد، يخضع له الجميع، مع بيان دقيق لحالات الإعفاء الجزئي من بعض مواده دون المساس بالمواد الجوهرية في الأخلاقيات والتنظيم المهني.
  2. ضبط المسارات الخاصة في مواد محددة، تُبيّن شروطها بدقة (سنوات الخبرة، طبيعة النشاط، نوعية الشهادة…) وتربط الاستفادة منها بمرور صاحبها عبر الامتحان والتكوين بصيغتهما الملائمة.
  3. إسناد تحديد تفاصيل برامج التكوين والامتحان، في جانبها التنظيمي، إلى نصوص تنظيمية حكومية، مع إشراك الهيئات المهنية في إعدادها وإبداء الرأي فيها، دون أن تنفرد هذه الهيئات بسنّ قواعد الولوج ذاتها، تحقيقاً للتوازن بين استقلال المهنة وبين خضوع شروط ممارسة الحقوق والحريات لمبدأ الشرعية.

خاتمة

يُظهر قرار مجلس الدولة الفرنسي عدد 490946 أن القضاء الإداري يمكن أن يكون فاعلًا أساسياً في ترشيد إصلاح مهنة المحاماة، عبر ضبط حدود اختصاص الدولة والهيئات المهنية في تنظيم الولوج، وعبر فرض علاقة تناسب بين الامتيازات الممنوحة لبعض الفئات وبين الغاية الدستورية المتمثلة في ضمان جودة الدفاع وحماية المتقاضين.

الدور الذي لعبه القضاء الاداري في فرنسا، يمكن ان يلعبه القضاء الدستوري في فحص مشروعية القواعد القانونية التي قد يتضمنها مشروع القانون الذي هو في طور الاعداد، خصوصا بالنظر لكون قواعد تكوين المحامين والولوج لمهنة المحاماة هي قواعد منصوص عليها في الاتفاقيات والقواعد الدولية المنظمة للمهنة والتي تسمو بطبيعتها على قواعد القوانين الداخلية.

وبالاستئناس بهذا القرار، وبواقع النقاش المغربي حول مشروع القانون 66.23، يبدو أن الطريق الأنسب هو الانتقال من منطق “الاستثناءات المعفاة كلياً من الامتحان والتكوين” إلى منطق “المسارات المتمايزة داخل قاعدة موحدة”، قوامها إلزامية امتحان الأهلية والتكوين العلمي والعملي لجميع الراغبين في الالتحاق بالمهنة، مع السماح فقط بهوامش محدودة للتكييف تراعي الخبرة السابقة دون أن تمس بالحد الأدنى المشترك لكفاءة المحامي.