أولاً: مقدمة عامة

عرف التشريع الرياضي المغربي تحولات عميقة خلال العقدين الأخيرين، انتقل معها من منطق «الجمعية الرياضية» ذات الطابع غير الربحي، إلى محاولة بناء نسيج من الشركات الرياضية ذات الطبيعة التجارية الخاضعة لقواعد الحكامة والمساءلة. وقد جاء هذا التحول في سياق دستوري وسياسي جديد، تزايدت فيه الرهانات الملقاة على عاتق الرياضة، سواء باعتبارها حقاً أساسياً للمواطنين أو رافعة للتنمية الاقتصادية وجاذبية الاستثمار.
وتُعدّ أحكام القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، الصادر بمقتضى الظهير الشريف المنشور ضمن سلسلة «الوثائق القانونية المغربية»، الإطار العام المنظم للقطاع الرياضي، حيث وضع أسس الانتقال من نموذج الجمعيات إلى نموذج الشركات الرياضية، عبر إضفاء الصفة التجارية على بعض الأنشطة الرياضية الاحترافية. غير أن هذا التحول ظلّ لفترة طويلة محكوماً بهشاشة القاعدة المالية وغياب تحفيزات ضريبية كافية، وهو ما حاول قانون المالية لسنة 2026 معالجته من خلال باقة من الإعفاءات والتخفيضات الموجهة للشركات الرياضية والعاملين بها.
ثانياً: الإطار القانوني للشركة الرياضية بين منطق الجمعية ومنطق شركة المساهمة

1. من الجمعيات الرياضية إلى الشركات الرياضية
كرّس الظهير المتعلق بحق تأسيس الجمعيات لسنة 1958 نموذج النادي الرياضي في شكل جمعية خاضعة لقواعد القانون العام للجمعيات، وهو النموذج الذي ظلّ مهيمناً على تسيير أندية كرة القدم وباقي الرياضات إلى غاية صدور القانون رقم 30.09. هذا الأخير نصّ صراحة على إمكانية، بل وعلى إلزامية، تحويل بعض الجمعيات الرياضية إلى شركات رياضية بمجرد بلوغها عتبة معيّنة من النشاط الرياضي والمالي، وذلك بهدف فصل المجال الهاوي عن المجال الاحترافي وخلق كيان قانوني قادر على إبرام العقود وجلب المستثمرين.
وتؤكد الدراسات المهتمة بالتشريع الرياضي أن المشرع راهن من خلال هذا التحول على نقل جزء من عبء تمويل الرياضة من الميزانية العمومية إلى القطاع الخاص، عبر فتح رأس مال الأندية أمام الشركات والأفراد واستقطاب رؤوس الأموال التي تبحث عن هوية بصرية وجماهيرية قوية.
2. الشكل القانوني للشركة الرياضية: شركة مساهمة خالصة
حدّد المشرع المغربي شكل الشركة الرياضية في قالب شركة المساهمة الخاضعة لأحكام القانون رقم 17‑95 المتعلق بشركات المساهمة، مع ما يستتبع ذلك من متطلبات صارمة بخصوص الحد الأدنى لرأس المال، وأجهزة الإدارة والرقابة، والتدقيق المحاسبي ونشر المعلومات. ويشترط لإنشاء الشركة الرياضية توافر رأسمال لا يقل عن ثلاثة ملايين درهم إذا كانت تدعو الجمهور إلى الاكتتاب، أو ثلاثمائة ألف درهم إذا لم تدعُه، وهو ما يشكل عتبة مرتفعة نسبياً بالنظر إلى هشاشة البنية المالية للعديد من الأندية.
هذا الاختيار التشريعي، رغم ما يحققه من أمن قانوني للمستثمرين، يطرح أسئلة عملية حول قدرة الأندية الصغرى والمتوسطة على استيفاء هذه المتطلبات، في غياب تراكم مالي حقيقي وفي ظل استمرار الاعتماد على المنح العمومية.
3. استمرار حضور منطق الجمعية في المحيط المؤسسي للشركة
حتى بعد التحول إلى شركة رياضية، تبقى الجمعية الأصلية حاضرة غالباً بوصفها مساهماً رئيسياً أو مالكاً للأغلبية، وهو ما يخلق ثنائية بين منطق تسيير جمعوي يقوم على الانتخاب والتطوع، ومنطق تسيير تجاري يقوم على رأس المال والعائد. وتبرز الإشكالات بوضوح في الحالات التي تفتقر فيها الأجهزة الجمعوية للخبرة في مجال التدبير المالي والمحاسبي، مما ينعكس على أداء الشركة الرياضية التي تصبح عملياً امتداداً قانونياً للجمعية أكثر مما هي مشروع استثماري مستقل.

ثالثاً: التحفيزات الضريبية في قانون المالية لسنة 2026: بين تشجيع الاحتراف وضبط الوعاء
1. الإعفاء من الضريبة على الشركات
نصّت التعديلات الضريبية المعتمدة في إطار قانون المالية لسنة 2026 على إعفاء تام للشركات الرياضية من الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات محاسبية متتالية، ابتداءً من السنة الأولى لاستغلالها الفعلي. ويشمل هذا الإعفاء أيضاً رسوم التسجيل المرتبطة بعقود تحويل أصول وخصوم الجمعيات إلى الشركات الرياضية المؤسسة طبقاً للقانون رقم 30.09، بما في ذلك العقود التي تنقل العلامة التجارية وحقوق الاستغلال الرياضي.
وتسعى هذه الآلية إلى تمكين الشركات الرياضية من فترة «تنفّس» ضريبية خلال مرحلة الانطلاقة وإعادة الهيكلة، حتى تتمكن من استيعاب تكاليف الاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية دون أن تُثقلها الأعباء الجبائية.
2. الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة
إلى جانب الإعفاء من الضريبة على الشركات، تم تمديد الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة الممنوح للشركات الرياضية لخمسة أعوام إضافية، وهو ما يهدف إلى تحييد أثر هذه الضريبة غير المباشرة على أسعار التذاكر والاشتراكات والخدمات المرتبطة بالمباريات والأنشطة الرياضية. ويسمح هذا الإجراء بتعزيز القدرة التنافسية للأندية في استقطاب الجمهور والمستشهرين، خاصة أن جزءاً مهماً من مداخيلها يرتبط مباشرة بحجم الإقبال الجماهيري.
3. التخفيض من الضريبة على الدخل لفائدة الرياضيين والأطر التقنية
من أبرز ما جاء به قانون المالية لسنة 2026 أيضاً تخفيضات مهمة في الضريبة على الدخل المطبقة على رواتب اللاعبين والمدربين والأطر التقنية العاملة داخل الشركات الرياضية، وذلك في امتداد لتوجّه سبق أن انطلق مع قانون المالية لسنة 2021 بفرض الضريبة على أجور اللاعبين في البطولة الاحترافية.
تندرج هذه التخفيضات في إطار مقاربة مزدوجة: فمن جهة، تسعى الدولة إلى إدخال أجور الرياضيين في الدورة الجبائية الرسمية من خلال التصريح والاقتطاع عند المنبع، ومن جهة ثانية، تُخفَّف العبء الضريبي حفاظاً على التوازن المالي للأندية وجاذبية الأجور الصافية المعروضة على اللاعبين.
4. موقع هذه الإجراءات ضمن السياسة الجبائية العامة
لا يمكن قراءة هذه الامتيازات معزولة عن التوجه العام للسياسة الجبائية، التي ترمي إلى تحفيز بعض القطاعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، مقابل توسيع القاعدة الجبائية ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل. ومن ثَمّ، فإن تمتيع الشركات الرياضية بإعفاءات واسعة يفترض أن يترافق مع التزام فعلي بالشفافية المحاسبية والتصريح بجميع المداخيل، بما فيها مداخيل الانتقالات والمنح والإشهار، حتى لا تتحول هذه الإعفاءات إلى مجرد «هدايا ضريبية» غير مبررة.

رابعاً: التحديات العملية والحكامة المالية للشركات الرياضية
1. إشكالية تقييم الأصول غير المادية
يُشكِّل تقييم الأصول غير المادية – وعلى رأسها حقوق العقود مع اللاعبين، والاسم التجاري للنادي، والحقوق السمعية البصرية – إحدى أعقد نقاط الضعف في المنظومة الحالية. فالقانون المتعلق بالتربية البدنية والرياضة لم يضع قواعد تفصيلية لكيفية تقييم هذه الأصول عند تحويل الجمعية إلى شركة، مما يترك هامشاً واسعاً لاجتهاد الخبراء والمحاسبين، وقد يفتح الباب أمام تضخيم القيم أو إخفائها.
وتشير بعض التحليلات إلى أن غياب معايير محاسبية متخصصة في هذا المجال قد يؤدي إلى تفاوت كبير بين القيمة الحقيقية للأندية والقيمة المسجلة في ميزانياتها، بما ينعكس على حقوق المساهمين والدائنين وعلى مصداقية التقارير المالية المقدمة للإدارة الضريبية.
2. ضعف ثقافة الحكامة والشفافية
رغم ما فرضه القانون 30.09 من التزامات على مستوى مراقبة التسيير واعتماد أجهزة للتدقيق والمصادقة على الحسابات، إلا أن عدداً من الأندية ما زال يعاني من محدودية ثقافة الحكامة، واستمرار تدخل المنطق الشخصي والعلاقات غير الرسمية في اتخاذ القرار المالي. ويؤدي هذا الوضع إلى صعوبة الاستفادة الكاملة من التحفيزات الضريبية، لأن الاستقرار المالي يعدّ شرطاً موضوعياً لنجاح أي مخطط للاستثمار الرياضي.
3. مسؤولية الفاعلين المهنيين
تضع هذه المستجدات مسؤوليات إضافية على عاتق المحامين والخبراء المحاسبين والمستشارين الجبائيين المكلفين بمواكبة الأندية في مسار التحول إلى شركات رياضية؛ إذ يتعين عليهم تأمين مطابقة العقود والعمليات لتشريعات الشركات والضرائب والرياضة، واقتراح هياكل حوكمة داخلية تضمن الفصل بين المال الخاص والمال العام، وبين صلاحيات الجمعية الأم ومجلس إدارة الشركة.
خامساً: آفاق تطوير الإطار القانوني للشركات الرياضية
1. نحو قانون خاص بالشركات الرياضية
يبدو من خلال الممارسة أن مجرد الإحالة على قانون شركات المساهمة لا يكفي لضبط خصوصيات النشاط الرياضي، سواء من حيث مصادر التمويل أو من حيث مخاطر الإفلاس وارتباطها بالنتائج الرياضية. لذلك، تتجه بعض الأصوات الفقهية إلى الدعوة لوضع قانون خاص بالشركات الرياضية، يتضمن نظاماً متكاملاً يحدد كيفية تقييم الأصول الرياضية، وقواعد مراقبة الإنفاق، وحدود تدخل الجماهير والمستشهرين في القرار الاستراتيجي.
2. ربط الامتيازات الجبائية بمؤشرات الحكامة
من بين المقترحات العملية التي يمكن أن توسّع النقاش حول قانون المالية 2026، ربط الاستفادة من الإعفاءات الضريبية بمؤشرات موضوعية للحكامة، مثل احترام سقوف الأجور، والشفافية في نشر القوائم المالية، واعتماد ميثاق للأخلاقيات ومنع تضارب المصالح. مثل هذا الربط سيسمح بتوجيه الدعم الجبائي نحو الأندية التي تثبت التزاماً حقيقياً بمسار الاحتراف، بدلاً من تعميم الامتياز على الجميع دون تمييز.
خاتمة
يمكن القول إن التجربة المغربية في مجال الشركات الرياضية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: فمن جهة، أرسى القانون رقم 30.09 أساساً قانونياً لتحويل الأندية إلى كيانات تجارية قادرة على التعاقد والاستثمار، ومن جهة أخرى، جاء قانون المالية لسنة 2026 ليمنح هذه الكيانات حوافز ضريبية مغرية في الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الدخل.
غير أن النجاح الفعلي لهذا الورش يظل رهيناً بمدى قدرة الأندية على استيعاب ثقافة الحكامة والشفافية، وبمدى تجاوب الإدارة الضريبية والموكلين المهنيين مع خصوصيات الاقتصاد الرياضي. ومن ثَمّ فإن المرحلة المقبلة تستوجب تعميق النقاش الفقهي والقضائي حول وضع إطار قانوني أكثر تماسكاً للشركات الرياضية، بما يضمن توازن المصالح بين الدولة والمستثمرين والجماهير والرياضيين أنفسهم، ويحوّل الرياضة إلى قطاع اقتصادي مستدام لا إلى مجرد واجهة ظرفية مرتبطة باستحقاقات كأس العالم 2030.