
مقدمة
يشكل نظام نزع الملكية لأجل المنفعة العامة إحدى أهم الآليات القانونية التي تجسد التوتر الدائم بين حماية الحق في الملكية باعتباره حقا دستوريا أساسيا، وبين ضرورة توفير العقار لإنجاز المشاريع ذات الطابع العمومي أو الجماعي. وقد اضطلع القانون رقم 7.81 بدور الإطار المرجعي المنظم لهذه المسطرة لعقود، غير أن الممارسة التطبيقية أبانت عن نقائص عميقة، خاصة على مستوى غموض مفهوم المنفعة العامة، وضعف الرقابة القضائية عليه، وتعثر تنفيذ الأحكام القضائية القاضية بالتعويض، واستفحال ظاهرة الاعتداء المادي.
في هذا السياق تم إعداد مشروع قانون بتعديل وتتميم قانون نزع الملكية، يهدف – في التصور المعلن – إلى تحيين المنظومة وربطها بالمستجدات الدستورية والقضائية. غير أن القراءة التحليلية لمقتضيات المشروع تظهر أن التعديلات بقيت في جزء كبير منها ذات طابع تقني ومسطرية، ولم ترق إلى مستوى إصلاح بنيوي يعالج الإشكالات الجوهرية المرتبطة بمفهوم المنفعة العامة، وبسط الرقابة القضائية، وتنفيذ الأحكام، ووضع نظام خاص للاعتداء المادي.
للاطلاع على مسودة مشروع القانون بتعديل وتتميم القانون رقم 7.81 على موقع الأمانة العامة للحكومة https://www.sgg.gov.ma/portals/0/AvantProjet/281/071.25.pdf
تمهيد: أهم المستجدات التي حملها مشروع تعديل قانون نزع الملكية

قبل الانتقال إلى مناقشة الجوانب الإشكالية في مشروع تعديل قانون نزع الملكية، يبدو من الضروري، من منظور علمي ومنهجي، الوقوف أولا عند أهم المستجدات التي جاء بها المشروع على مستوى البنية العامة للنص والمساطر المقررة فيه، لأنه لا يمكن تقييم الاختيارات التشريعية إلا بعد استيعاب مضمونها وحدودها.
فمن جهة أولى، عمل المشروع على تحيين الإطار المرجعي للقانون رقم 7.81، من خلال ملاءمة بعض الإحالات مع المستجدات الدستورية والمؤسساتية والتنموية، وإعادة ترتيب عدد من المواد وصياغة بعضها بصياغة أكثر انسجاما مع تقنيات التشريع الحديثة، بما في ذلك تبسيط بعض العبارات، وجمع المقتضيات المتناثرة في وحدات موضوعاتية أكثر وضوحا. هذا التحيين يعكس إرادة في إخراج القانون من سياق الثمانينيات إلى سياق ما بعد الإصلاحات الدستورية والقضائية الأخيرة، ولو في حدود شكلية أساسا.
ومن جهة ثانية، أدخل المشروع تعديلات إجرائية تمس عددا من حلقات مسطرة نزع الملكية؛ إذ تمت مراجعة بعض القواعد المرتبطة بإجراءات البحث العمومي، وشكليات الإشهار، وآجال ممارسة الطعون، وكيفية تقديم التعرضات والملاحظات من طرف ذوي الحقوق، إضافة إلى إعادة النظر في بعض عناصر مسطرة تقدير التعويض، سواء على مستوى دور الإدارة أو على مستوى تدخل القضاء. كما حاول المشروع ضبط بعض الجوانب المتعلقة بالإيداع المالي للتعويض لدى الهيئات المختصة، عبر التنصيص على ترتيبات أوضح زمنيا وإجرائيا، في محاولة لمعالجة جزء من الأعطاب التي أبرزها التطبيق العملي في هذا الباب.
ومن جهة ثالثة، يلاحظ توجه نحو توحيد وتنظيم علاقة مختلف أشخاص القانون العام المتدخلين في مسطرة نزع الملكية، وذلك من خلال السعي إلى تقريب القواعد المنظمة لنزع الملكية لفائدة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، والتنصيص على مقتضيات تروم تحسين التنسيق بين هذه الجهات، وتيسير برمجة وإنجاز المشاريع ذات الطابع العمومي أو الجماعي. ويتجلى هذا التوجه خاصة في العناية بشكل أكبر بمسار المشروع منذ مرحلة برمجته وإعلانه، إلى غاية استكمال بعض إجراءاته المسطرية أمام القضاء.

ومع ذلك، فإن هذه المستجدات، على ما يمكن أن ينسب إليها من قيمة تقنية في مستوى الصياغة وتحسين بعض المساطر، تظل في مجملها جزئية ومحدودة الأثر على الفلسفة العميقة لنظام نزع الملكية، إذ لا تمس بشكل جوهري شروط ومفاهيم الأساس (وفي مقدمتها المنفعة العامة)، ولا تعيد بناء منظومة الضمانات القضائية والتنفيذية على أسس جديدة. ومن ثمّ، فإنها تبرر إخضاع المشروع لفحص نقدي صارم من زاوية مدى استجابته لمتطلبات حماية الملكية الخاصة وضمانات التعويض والتنفيذ، وهو ما سيجري تناوله في المحاور التالية.
المحور الأول: غياب تأطير تشريعي دقيق لمفهوم المنفعة العامة
رغم أن المنفعة العامة تمثل الشرط الجوهري الذي يبرر استثناء نزع الملكية من قاعدة قدسية الحق العيني، فإن المشروع لم يأت بتحول نوعي في تأطير هذا المفهوم، واكتفى عمليا بإعادة إنتاج النهج العام المعتمد في القانون رقم 7.81. فمقتضيات المشروع لا تتضمن تعريفا تشريعيا إيجابيا للمنفعة العامة، ولا تحدد عناصرها أو معايير تحققها، كما لا تقدم لائحة معيارية ولو على سبيل المثال للحالات التي تقوم فيها المنفعة العامة بصورة يقينية.
هذا الغياب يجعل مفهوم المنفعة العامة يظل مفهوما مرنا ومطاطا إلى حد الغموض، ويُبقي للإدارة سلطة واسعة في توصيف المشاريع باعتبارها مشاريعا ذات منفعة عامة دون قيود معيارية كافية. ويترتب عن ذلك خطر توسيع غير مبرر لنطاق النزع، بما قد يمس بمبدأ الأمن القانوني وبثقة الأفراد في استقرار مراكزهم القانونية، خصوصا في ظل تجارب عملية أُضفي فيها طابع المنفعة العامة على مشاريع ذات بعد اقتصادي أو استثماري لا يغلب فيها العنصر الجماعي الفعلي.
وهكذا يفاجئ الافراد بنزع ملكيتهم العقارية بأثمن زهيدة نسبيا، باسم المنفعة العامة. ثم يكتشفون ان املاكهم قد بيعت في عمليات استثمار عقاري لفاعلين من القطاع العام او الخاص، لبناء مشاريع سكنية او تجارية بأثمنة تتجاوز بكثير قيمة التعويضات المحددة لهم.
رغم ان بعض المنزوعة ملكيتهم عبروا في إحيائين كثيرة عن استعدادهم لانجاز المشاريع العمرانية المستهدفة بنفسهم ووفق نفس الشروط التي تنجز بها تلك المشاريع في ما بعد.
كان المنتظر من المشرع، استحضارا للضمانات الدستورية المقررة للملكية، أن يتجه نحو:
- التنصيص على تعريف تشريعي للمنفعة العامة يربطها بمعايير الضرورة والتناسب وربط المشروع بمصلحة جماعية حقيقية ومباشرة، لا بمصلحة مالية أو تجارية مجردة.
- حصر غير مطلق لحالات المنفعة العامة في لائحة معيارية، مع ترك مجال محدود للتوسع بضوابط دقيقة، تفاديا للتحول التدريجي للمنفعة العامة إلى مجرد أداة تبريرية.
- اعتبار مبرر المنفعة العامة غير قائم إذا ابدى المالك او المالكون المنزوعة ملكيتهم الاستعداد لانجاز نفس المشاريع المزمع انجازها وفق نفس الشروط.
غير أن مشروع التعديل لم يتبن هذا الاختيار، وهو ما يُبقي الإشكال في جوهره قائما، ويجعل جزءا هاما من عبء الضبط ينتقل إلى القضاء في غياب معايير تشريعية واضحة يهتدي بها.
المحور الثاني: محدودية تكريس الرقابة القضائية على المنفعة العامة وقرارات النزع
يدور الخطاب الرسمي لمشروع التعديل حول تعزيز ضمانات المتقاضين وتدعيم دور القضاء في منازعات نزع الملكية، إلا أن مضامين المشروع تكشف عن أن هذا التعزيز يظل في معظمه إجرائيا وشكليا، ولا يصل إلى مستوى تكريس رقابة قضائية موضوعية فعالة على قرار إعلان المنفعة العامة ذاته. فالنص لا يقرر بوضوح اختصاص القضاء الإداري بمراجعة جوهر قرار المنفعة العامة من حيث مدى تحقق شروطه الموضوعية، وقابليته للاختبار بمعايير الضرورة والتناسب وغياب الانحراف في استعمال السلطة.
إضافة إلى ذلك، فإن الإطار الإجرائي للطعن في قرارات المنفعة العامة يظل مقيدا بآجال قصيرة، وباشتراطات شكلية قد لا تتناسب مع وضعية المتضررين الذين قد يجهلون صدور القرار أو مضامينه بسبب قصور آليات الإشهار في الواقع العملي. كما أن المشروع لا يربط بشكل صريح بين رقابة القضاء على مشروعية القرار وبين إمكانية تعطيل آثاره أو إيقاف مسطرة النزع في حالة ثبوت عيب جوهري في تقدير المنفعة العامة.
لقد كان ممكنا للمشرع، لو اتجه إلى إصلاح جوهري، أن يعتمد مقاربة أكثر تقدما تتجلى في:
- التنصيص الصريح على خضوع قرار المنفعة العامة لرقابة الإلغاء أمام القضاء الإداري، ليس فقط من حيث الشكل والاختصاص بل من حيث الملاءمة في الحدود التي يفرضها احترام الحقوق الأساسية.
- تمكين القاضي من فحص جدية المشروع، ووجود مصلحة عامة حقيقية، وكون النزع هو الوسيلة الأقل ضررا مقارنة ببدائل أخرى، مع إمكانية ترتيب آثار فورية على صحة مسطرة النزع.
غياب مثل هذه المقتضيات يجعل الرقابة القضائية المنصوص عليها في المشروع أقرب إلى رقابة على مراحل لاحقة للمسطرة (التعويض، إجراءات نقل الملكية…) دون أن تصل إلى أصل الشرعية المتمثل في قرار إعلان المنفعة العامة، وهو ما يُفرغ جزءا كبيرا من الضمانات الدستورية من محتواها الفعلي.
المحور الثالث: استمرار الإخلال بضمانات التنفيذ ومعالجة الاعتداء المادي

أولا: معضلة تنفيذ الأحكام القاضية بالتعويض قبل انتقال الملكية
من أبرز الاختلالات التي أفرزها تطبيق القانون 7.81 صعوبة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بالتعويض عن نزع الملكية، ولا سيما في المرحلة السابقة لانتقال الملكية بشكل نهائي إلى الجهة النازعة. ذلك أن تردد الجهة النازعة في إيداع المبالغ المحكوم بها، أو تأخرها في ذلك، يؤدي إلى تعليق وضعية العقار والمتضرر، بحيث لا يستفيد هذا الأخير من التعويض في الوقت المناسب، وفي المقابل تستفيد الإدارة من إمكانية الاستمرار في إجراءات المشروع.
كان المأمول أن يربط مشروع التعديل بشكل صارم بين انتقال الملكية وبين التحقق الفعلي من إيداع التعويض الذي حدده القضاء، أو على الأقل الشطر غير المنازع فيه منه، داخل أجل محدد يترتب عن مخالفته بطلان أو توقيف المسطرة. كما كان من شأن إدراج قواعد تشريعية واضحة بشأن إمكانية الحجز على الاعتمادات المرصودة للمشروع أو على أموال الجهة النازعة أن يمنح الأحكام القضائية قوة فعلية ويحول دون تحولها إلى مجرد سندات نظرية.
غير أن الصياغة الواردة في المشروع تميل إلى تسهيل استكمال مسطرة النزع وانتقال الملكية أكثر مما تلزم الجهة النازعة بضمان التنفيذ الفعلي للأحكام داخل آجال معقولة، وهو ما يُبقي الخلل في ترتيب الأولويات بين سرعة إنجاز المشروع العمومي وحق المنزوعة ملكيته في الحصول على تعويض عادل وفوري أو شبه فوري.
ثانيا: الاعتداء المادي وغياب نظام تشريعي خاص
الاعتداء المادي – المتمثل في وضع اليد على عقارات الخواص وإنجاز تدخلات أو أشغال عمومية عليها قبل استكمال مسطرة النزع أو خارجها – شكل مادة خصبة لاجتهادات القضاء الإداري الذي اعتبره خطأ جسيما يرتب مسؤولية الشخص المعنوي العام والتزامه بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو أداء تعويض ملائم. غير أن هذه التطورات القضائية الهامة لم تجد لها انعكاسا تشريعيا واضحا في مشروع التعديل.
لقد كان القضاء الاداري يعتبر الاعتداء المادي اعتداء على الملكية الخاصة، يترتب عنه حق المعتدى عليه في التعويض مع رفع الاعتداء واجاع الحق لاصحابه. لكن هذا التوجه تم التراجع عنه واصبح التعويض عن الاعتداء المادي يقدر مقابل نقل ملكية العقار موضوع الاعتداء للدولة او للمؤسسة المعنية. وهكذا اصبح الاعتداء المادي طريقة لنزع الملكية بحكم الواقع، تعفي الادارة او المؤسسة المعنية من سلوك المسطرة، وخصوصا من ايداع المبلغ التقديري لقيمة العقار قبل نقل الملكية.مما ادى الى تعقيد الوضع بالنسبة للمالكين الذي تنزع ملكيتهم بهذه الطريقة الملتوية، مع تركهم يسعون للحصول على التعويض المقدر لهم عبر مساطر قد تطول لسنوات وعقود.

المشروع لا يضع تعريفا تشريعيا للاعتداء المادي ولا يولي له تنظيما خاصا يحدد صور هذا الاعتداء، وأطرافه المسؤولين، وآليات إيقافه، ومعايير التعويض عنه، والجزاءات المترتبة عن ارتكابه. كما لا يتضمن مقتضيات إجرائية خاصة تمكّن المتضررين من اللجوء إلى مسطرة استعجالية لرفع الاعتداء أو إيقاف الأشغال وإرجاع العقار أو استيفاء مقابل عادل في آجال وجيزة.
هذا الفراغ التشريعي يفتح الباب أمام استمرار لجوء بعض الإدارات إلى الاعتداء المادي كوسيلة عملية لتجاوز تعقيدات المسطرة القانونية لنزع الملكية، مع التعويل لاحقا على التسوية أمام القضاء أو أداء تعويضات قد لا تعكس دائما مدى الضرر الحقيقي. وهو ما يمس بمبدأ سيادة القانون ويُضعف الثقة في أن الإدارة خاضعة للقانون أسوة بالأفراد، كما يعمق حالة عدم اليقين بالنسبة للمالكين الذين يجدون أنفسهم أمام أمر واقع قبل أي نقاش حول المنفعة العامة أو التعويض.
خاتمة
يظهر من التحليل أن مشروع تعديل قانون نزع الملكية، بالرغم من بعض اللمسات التقنية والتحيينات المسطرية التي جاء بها، لا يحقق التحول النوعي المنشود نحو منظومة أكثر اتساقا مع الضمانات الدستورية للملكية ومع المعايير الحديثة للدولة القانونية. إذ يظل مفهوم المنفعة العامة غير مضبوط تشريعيا، وتبقى الرقابة القضائية على قرارات النزع محدودة من حيث الموضوع، كما لا يتم تجاوز الصعوبات العملية المتعلقة بتنفيذ الأحكام والتعامل مع الاعتداء المادي إلا على نحو جزئي أو ضمني.
إن الإصلاح الحقيقي يقتضي إعادة بناء فلسفة القانون على أساس احترام مبدأ التناسب بين ضرورات المنفعة العامة وحقوق الأفراد، عبر:
- تأطير دقيق لمفهوم المنفعة العامة،
- وتكريس رقابة قضائية موضوعية على قرارات النزع،
- وربط انتقال الملكية بضمان التنفيذ الفعلي للتعويض القضائي،
- ثم إدراج باب تشريعي مستقل ينظم الاعتداء المادي كآلية استثنائية غير مقبولة في دولة الحق والقانون.
وبدون ذلك، يبقى مشروع التعديل أقرب إلى تعديل جزئي تقنيا لا يمس جوهر الإشكالات التي أبرزتها الممارسة القضائية والعملية لنزع الملكية، ولا يحقق القطيعة المطلوبة مع مظاهر الغموض والتفاوت والاعتداء على الحقوق العينية.