مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها: قراءة تحليلية نقدية مقارنة

مقدمة

أصبحت ظاهرة الحيوانات الضالة، ولا سيما الكلاب والقطط، إحدى الإشكاليات البارزة في الفضاءات الحضرية وشبه الحضرية بالمغرب، بالنظر إلى ما تطرحه من تهديدات محتملة على الأمن والصحة والسلامة العامة، من حوادث عضّ واعتداءات، ومن مخاطر داء السعار والأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.

كما أن تواتر صور ومشاهد الإبادة الجماعية لهذه الحيوانات، عبر التسميم أو إطلاق الرصاص، ولّد نقاشًا حقوقيًا وأخلاقيًا حادًا حول مدى احترام مبدأ الرفق بالحيوان، وما يترتب عن تلك الممارسات من صورة سلبية عن التزامات الدولة في هذا المجال.

في هذا السياق، جاء مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها، الذي صادقت عليه الحكومة المغربية وأحالته على البرلمان، باعتباره أول نص تشريعي خاص ومتكامل يُعنى بهذه الفئة من الحيوانات، ويهدف إلى التوفيق بين حماية الإنسان والبيئة من جهة، وضمان معاملة إنسانية للحيوانات الضالة من جهة أخرى.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة قانونية تحليلية نقدية ومقارنة لمشروع هذا القانون، من خلال مبحث أول تعريفي يسلّط الضوء على دواعيه وسياقه وأهدافه وبنيته ومضامينه الرئيسية، ثم مبحث ثانٍ يخصص لقراءة نقدية مقارنة لاختياراته التشريعية، في ضوء مبادئ الرفق بالحيوان والتجارب الأجنبية ذات الصلة.

المبحث الأول: الإطار العام ومضامين مشروع القانون رقم 19.25

المطلب الأول: السياق العام ودواعي إعداد المشروع

الفقرة الأولى: السياق الواقعي والاجتماعي

شهدت عدة مدن مغربية خلال السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الكلاب والقطط الضالة، بما صاحب ذلك من شكايات المواطنين وتداول واسع لحوادث اعتداءات وعضّ، وخاصة في المواسم الحارة التي يتزايد فيها استعمال الفضاءات العمومية، وكذا فترات العطل المدرسية. كما أثارت بعض الحالات المرتبطة بإصابة أشخاص بداء السعار نتيجة عضّ كلاب ضالة مخاوف حقيقية حول كلفة هذه الظاهرة على الصحة العامة، سواء من حيث التكاليف الطبية أو من حيث الضغط على المنظومة الصحية.

في المقابل، تواترت ردود فعل المجتمع المدني، خصوصًا جمعيات الرفق بالحيوان، التي نددت باللجوء إلى أساليب “الإبادة الجماعية” عبر التسميم أو إطلاق النار، معتبرة أن تلك الممارسات لا تنسجم مع المعايير الدولية ذات الصلة برفاه الحيوان، ولا مع التزامات المغرب الحقوقية.

الفقرة الثانية: السياق المؤسساتي والقانوني

من الناحية المؤسساتية، بادر القطاع الحكومي المكلف بالفلاحة والتنمية القروية والبيطرة إلى إعداد مشروع قانون خاص بالحيوانات الضالة، صادقت عليه الحكومة وأحالته على المؤسسة التشريعية، في إطار ما اعتُبر استجابة لحاجة تشريعية مزمنة في هذا المجال. فالقانون المغربي، قبل هذا المشروع، لم يكن يتضمن نصًا موحدًا ومتكاملًا ينظم وضعية الحيوانات الضالة، وإنما كانت الأحكام ذات الصلة مبعثرة بين نصوص متفرقة، مثل النصوص المتعلقة بالصحة العمومية، والقوانين الجماعية، وبعض المقتضيات الزجرية في القانون الجنائي.

هذا التشتت أدى عمليًا إلى تباين كبير في الممارسات بين الجماعات الترابية، وإلى غياب رؤية وطنية موحدة للتعامل مع الظاهرة، الأمر الذي سعى مشروع القانون 19.25 إلى تجاوزه بإرساء إطار قانوني خاص وشامل.

الفقرة الثالثة: الأهداف المعلنة للمشروع

يعلن المشروع، في ديباجته ومذكرته التقديمية، عن ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. حماية الأشخاص والممتلكات والصحة العامة من الأخطار التي يمكن أن تشكلها الحيوانات الضالة، وخاصة مخاطر الأمراض والحوادث.
  2. اعتماد مقاربة “إنسانية وعلمية” في تدبير الحيوانات الضالة، ترتكز على التعقيم والتلقيح والترقيم والتتبع، بدل الإبادة العشوائية.
  3. تنظيم مسؤولية مالكي الحيوانات الأليفة، والحد من ظاهرة التخلي عنها أو تركها على قارعة الطريق، باعتبارها من أهم مصادر تكاثر الحيوانات الضالة.

تؤطر هذه الأهداف فلسفة المشروع وتفسر طابع الجمع بين مقتضيات حمائية للبشر والبيئة، وأخرى حمائية للحيوانات نفسها، مع حضور قوي لبعد الصحة العامة.

المطلب الثاني: البنية العامة للمشروع ومفاهيمه الأساسية

الفقرة الأولى: نطاق التطبيق وتعريف الحيوانات الضالة

يعتمد مشروع القانون تعريفًا للحيوانات الضالة يرتكز على معيار غياب المالك المعروف أو غياب السيطرة الفعلية للحائز، إذ يُعتبر حيوانًا ضالًا كل حيوان يوجد في الفضاء العام دون مالك ظاهر أو دون مراقبة فعلية من مالكه، مع التركيز على الكلاب والقطط بوصفهما الأكثر حضورًا في الفضاءات الحضرية.

كما يحدد المشروع نطاق تطبيقه في الحيوانات الموجودة في الشوارع والأماكن العمومية والمباني المشتركة والأماكن المفتوحة للعموم، دون أن يمنع إمكانية امتداد بعض مقتضياته لأنواع أخرى، عبر النصوص التنظيمية أو الممارسة اللاحقة.

الفقرة الثانية: تنظيم تسجيل الحيوانات المملوكة وقاعدة البيانات الوطنية

من بين المقتضيات الجوهرية التي أتى بها المشروع التنصيص على إحداث قاعدة بيانات وطنية خاصة بالحيوانات المملوكة، تهدف إلى تسجيل هذه الحيوانات وتحديد هويتها وهُوية مالكيها، من خلال نظام للتصريح الإجباري.

ويلزم المشروع مالكي الحيوانات الأليفة بالتصريح بحيواناتهم لدى الجهات المختصة، والحصول على دفاتر صحية خاصة بها، وربط كل حيوان برقم تعريف إلكتروني يسمح بتتبعه في حالة الضياع أو التخلّي عنه أو تورطه في حوادث. ويرتب المشروع جزاءات مالية على الإخلال بواجب التصريح أو توفر الدفتر الصحي، تتراوح بين غرامات من الدرجة المتوسطة إلى المرتفعة.

يظهر من هذا التوجه أن المشرّع يسعى إلى تحميل المالك مسؤولية قانونية مفصّلة عن الحيوان الذي في حيازته، وإلى خلق أداة تقنية وإحصائية تسمح بتتبع وضعية القطيع الحضري.

الفقرة الثالثة: إحداث مراكز رعاية الحيوانات الضالة واختصاصاتها

ينشئ المشروع نمطًا مؤسساتيًا جديدًا يتمثل في “مراكز رعاية الحيوانات الضالة”، التي قد تكون:

  • مراكز عمومية تحدثها الجماعات الترابية، غالبًا في إطار مكاتب حفظ الصحة أو مرافق جماعية خاصة؛
  • أو مراكز خاصة تُحدَث بترخيص وفق دفتر تحملات محدد، يمكن أن تتولاها جمعيات أو فاعلون خواص.

وتتولى هذه المراكز مهام جمع الحيوانات الضالة من الفضاء العام بطرق تراعي السلامة والرفق بالحيوان، وإيوائها، وإخضاعها للفحص البيطري، والتلقيح ضد الأمراض الخطيرة، والتعقيم للحد من التكاثر، إضافة إلى ترقيمها إلكترونيًا وتسجيلها في قاعدة البيانات الوطنية.

كما يتيح المشروع – في حالات محددة – إمكانية اللجوء إلى “القتل الرحيم” للحيوانات التي تشكل خطرًا حقيقيًا ووشيكًا على السلامة أو الصحة، شريطة احترام المعايير البيطرية الدولية، الأمر الذي يعكس محاولة للتوفيق بين مقتضيات السلامة ومبدأ الرفق بالحيوان.

الفقرة الرابعة: تنظيم علاقة الأفراد بالحيوانات الضالة في الفضاء العام

من أكثر المقتضيات إثارة للنقاش في المشروع تلك المتعلقة بتنظيم علاقة الأفراد بالحيوانات الضالة؛ إذ يحظر النص على الأشخاص القيام بإطعامها أو علاجها أو إيوائها في الفضاء العام، خارج الإطار المرخص له، أي خارج المراكز المعتمدة أو خارج برامج رسمية تحت إشراف الجهات المختصة.

ويبرر المشروع هذا المنع بالرغبة في وضع حد لما يصفه بـ “التغذية العشوائية”، التي تساهم – رغم نوايا أصحابها الحسنة – في تثبيت الحيوانات في نقاط معينة، وتشجيع تكاثرها، دون خضوعها لمراقبة بيطرية، بما قد يزيد من المخاطر على الصحة العامة.

يؤشر هذا الاختيار على تغليب منطق الضبط والتنظيم الصارم للفضاء العام، حتى على حساب بعض صور المبادرات الفردية ذات البعد التعاطفي.

المطلب الثالث: منظومة الزجر والعقوبات

الفقرة الأولى: تجريم الإهمال والتخلي عن الحيوانات

يُحمّل مشروع القانون مالكي الحيوانات المملوكة مسؤولية خاصة عن أي إهمال أو تخلي يؤدي إلى صيرورة الحيوان ضالًا، ويقرر عقوبات مالية تصل إلى مستويات مرتفعة نسبيًا بحق كل من يتخلى عن حيوانه في الفضاء العام أو يتسبب عمدًا في شروده.

ويهدف هذا التوجه إلى معالجة أحد مصادر المشكلة، والمتمثل في التخلي غير المسؤول عن الحيوانات الأليفة عندما تصبح عبئًا ماديًا أو سلوكيًا على أصحابها، وهو سلوك شائع أكدته تقارير إعلامية وجمعوية.

الفقرة الثانية: تجريم العنف وسوء المعاملة تجاه الحيوانات الضالة

ينص المشروع على عقوبات حبسية وغرامات مالية لكل من يتعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه دون مبرر مشروع، وهو ما يمثل نقلة نوعية قياسًا على الوضع السابق الذي كان ينظر إلى الحيوان – في كثير من الأحيان – باعتباره شيئًا أو مالًا فقط.

بهذا المعنى، يقترب المشروع من فلسفة بعض التشريعات الحديثة التي تُجرّم العنف ضد الحيوان باعتباره فعلًا مخالفًا لقيم المجتمع ومبادئ الإنسانية، بصرف النظر عن فكرة الضرر المالي.

الفقرة الثالثة: تجريم الإطعام والعلاج غير المنظم

تُعد مقتضيات تجريم إطعام الحيوانات الضالة أو علاجها أو إيوائها في الفضاء العام، خارج المراكز المرخصة، من أكثر الجوانب إثارة للجدل في المشروع، حيث يقرر القانون غرامات مالية تتراوح بين 1.500 و3.000 درهم عن هذه الأفعال.

وتؤكد المذكرة التقديمية والتصريحات الرسمية أن الهدف من هذا التجريم هو الحد من السلوكات التي تساعد – بشكل غير مقصود – على استقرار الحيوانات في محيط المدارس أو المستشفيات أو الأحياء السكنية، دون ضمان تعقيمها أو تلقيحها. غير أن جزءًا واسعًا من الرأي العام والجمعيات اعتبر أن هذا المقتضى يؤدي عمليًا إلى “تجريم التعاطف” مع الحيوانات، بدل توجيهه وتأطيره.

المبحث الثاني: قراءة نقدية مقارنة في ضوء مبادئ الرفق بالحيوان والتجارب الأجنبية

المطلب الأول: تقييم فلسفة المشروع من زاوية الرفق بالحيوان

الفقرة الأولى: مكامن القوة

يمكن تسجيل عدة عناصر إيجابية في فلسفة مشروع القانون 19.25، من بينها:

  1. الانتقال من منطق “الإبادة” إلى منطق “التدبير العلمي”، من خلال اعتماد التعقيم والتلقيح والترقيم الإلكتروني والإيواء، بدل الاكتفاء بالتخلص المادي من الحيوانات الضالة.
  2. الاعتراف الصريح بحق الحيوانات الضالة في الحماية من العنف وسوء المعاملة، وتجريم القتل غير المبرر والتعذيب، وهو ما ينسجم مع اتجاه عالمي متزايد نحو حماية الحيوان ككائن حساس وليس فقط كمال.
  3. إرساء آلية مؤسساتية (مراكز الرعاية) ذات اختصاصات محددة، وقاعدة بيانات وطنية تسمح بتتبع الحيوانات المملوكة والحد من التخلي غير المسؤول.

هذه العناصر تُظهر رغبة تشريعية في ملاءمة التدبير العملي مع المبادئ الحقوقية والبيطرية الحديثة.

الفقرة الثانية: مواطن القصور والإشكال من منظور الرفق بالحيوان

في مقابل ذلك، يُثار عدد من الملاحظات النقدية:

  1. إن تجريم إطعام الحيوانات الضالة في ذاته، دون تمييز دقيق بين “التغذية الفوضوية” وبين الإطعام المنظم الذي يتم تحت إشراف جمعيات معتمدة أو في إطار بروتوكولات محلية، يؤدي إلى تجريم سلوكيات ذات بعد إنساني وتعاطفي، بدل إدماجها في سياسة عمومية منسقة.
  2. لا يتضمن المشروع – في صيغته – تنصيصًا واضحًا وصريحًا على اعتماد برنامج “الالتقاط – التعقيم – إعادة الإطلاق” (TNR) كخيار أول ومركزي في تدبير الكلاب والقطط الضالة، بل يترك المجال واسعًا أمام مسألة القتل الرحيم دون إسنادها إلى أهداف كمية (تقليص تدريجي) أو تقارير دورية ملزمة.
  3. يغلب على النص طابع الضبط والزجر أكثر مما يغلب عليه منطق التحفيز والتشجيع للممارسات الفضلى؛ إذ لا نجد مقتضيات تشجع المتطوعين أو الجمعيات على الاشتغال في إطار شراكات رسمية مع الجماعات، في مقابل حضور واضح للغرامات والعقوبات.

كل ذلك يطرح سؤال مدى التوازن الفعلي بين هدف حماية الإنسان وهدف الرفق بالحيوان.

المطلب الثاني: إشكالات التنفيذ والحوكمة الترابية

الفقرة الأولى: كلفة التنفيذ وإمكانيات الجماعات الترابية

يتوقف النجاح العملي لمشروع القانون على قدرة الجماعات الترابية على إحداث مراكز رعاية وتجهيزها بالموارد البشرية والمالية والتقنية اللازمة، بينما تظهر التجربة الحالية محدودية كبيرة في إمكانيات عدد من الجماعات في تدبير حتى الخدمات الأساسية، كالنظافة والإنارة.

إن إحداث مراكز إيواء محترمة للمعايير البيطرية والرفق بالحيوان يتطلب استثمارات في البنية التحتية والتجهيز والتسيير (أطباء بيطريين، أعوان، تغذية، أدوية، فضاءات ملائمة)، الأمر الذي لم يُفصّل المشروع في مصادر تمويله المستدامة، تاركًا الأمر، في الغالب، لميزانيات الجماعات التي قد لا تتحمل أعباء إضافية.

الفقرة الثانية: قاعدة البيانات الوطنية ومتطلبات التنسيق القطاعي

إقامة قاعدة بيانات وطنية فعالة للحيوانات المملوكة يستلزم مستوىً عاليًا من التنسيق بين عدة قطاعات: وزارة الداخلية (الجماعات)، وزارة الفلاحة (المصالح البيطرية)، وزارة الصحة (الصحة العمومية)، وربما وزارة العدل (التبليغات والعقوبات).³⁶ ويحتاج الأمر إلى بنية رقمية متطورة وآليات للتحديث المستمر والتحيين، ما يقتضي نصوصًا تنظيمية مضبوطة وخطة تنفيذية مرحلية، لا يقدّم المشروع تفاصيلها.

غياب هذه التفاصيل يجعل جزءًا من الآليات المعلن عنها (التصريح، التتبع) عرضة لأن تبقى حبرًا على ورق في غياب استثمار مؤسسي ومالي مناسب.

الفقرة الثالثة: موقع الجمعيات والمجتمع المدني في المنظومة

رغم إقرار المشروع بإمكانية إحداث مراكز خاصة أو جمعيات معتمدة للمساهمة في رعاية الحيوانات الضالة، فإن طريقة صياغة النص تغلب منطق الرقابة والعقاب على منطق الشراكة والتحفيز.³⁸ فلا نجد، مثلًا، مقتضيات تمنح الجمعيات المعتمدة امتيازات ضريبية أو تسهيلات عقارية أو دعمًا ماليًا قارا، مقابل التزامات مضبوطة في إطار عقود أو اتفاقيات شراكة.

كما أن تجريم بعض السلوكيات التي تقوم بها هذه الجمعيات في الممارسة (مثل إطعام الحيوانات في نقاط معينة قبل إدخالها في برامج التعقيم) قد يؤدي إلى توتر العلاقة بينها وبين السلطات، بدل توجيهها نحو العمل المؤطر والمؤسساتي.

المطلب الثالث: مقارنة مختصرة مع بعض التجارب الأجنبية

الفقرة الأولى: التجربة الفرنسية (نموذج TNR للقطط)

اعتمدت عدة بلديات فرنسية برامج “الالتقاط – التعقيم – إعادة الإطلاق” للقطط الضالة، حيث يتم التقاطها، تعقيمها، تلقيحها، ثم إعادتها إلى محيطها مع إسناد رعايتها إلى جمعيات محلية أو متطوعين معترف بهم، في إطار اتفاقيات منظمة. لا يتم تجريم الإطعام في حد ذاته، بل يشجع أن يتم تحت إشراف منظم، مع تحديد نقاط تغذية معينة لتفادي الإزعاج.

يسمح هذا النموذج بالتحكم التدريجي في أعداد القطط دون اللجوء إلى الإبادة، مع الحفاظ على دورها في التوازن البيئي (مكافحة القوارض)، وفي الوقت نفسه ضبط حضورها في الفضاء العام.

الفقرة الثانية: التجربة التركية (الكلاب الضالة في المدن الكبرى)

في تركيا، وخصوصًا في إسطنبول وبعض المدن الكبرى، تم اعتماد برامج واسعة النطاق لتلقيح وتعقيم الكلاب الضالة وإعادتها إلى محيطها، مع وضع علامات تعريفية على الكلاب التي خضعت للبرنامج، وتنسيق واسع مع الجمعيات والفاعلين المدنيين. تُموّل هذه البرامج جزئيًا من ميزانيات البلديات، مع إشراك المتطوعين في الإطعام والرعاية وفق بروتوكولات محددة.

رغم وجود تباين في التطبيق وانتقادات حقوقية، فإن الفلسفة العامة تُبقي على فكرة “العيش المشترك” بين الإنسان والحيوان في الفضاء العام، مع السعي إلى تقليص المخاطر عبر وسائل بيطرية وتنظيمية، وليس عبر الاستئصال الكامل.

الفقرة الثالثة: أوجه التشابه والاختلاف مع المقاربة المغربية

يتقاطع مشروع القانون المغربي مع هذه التجارب في اعتماده مبدأ التعقيم والتلقيح والترقيم، وإحداث مراكز مخصصة، وتحميل المالك مسؤولية قانونية عن الحيوان المملوك. غير أنه يختلف عنها في نقطتين بارزتين:

  1. تشديده على تجريم الإطعام والعلاج في الفضاء العام، حتى عندما يكون صادرًا عن أفراد أو جمعيات ذات نية تعاونية، بينما تتجه التجارب المقارنة إلى تقنين هذه الممارسة بدل تجريمها.
  2. ضعف الإشارة إلى برامج TNR كخيار رئيسي واضح في النص، وغياب آليات إلزامية للتقييم الدوري للسياسة المعتمدة ونتائجها، مقارنة مع ما يظهر في بعض التشريعات والبرامج البلدية الأجنبية.

هذا الفرق يعكس ميلًا أكبر في الحالة المغربية إلى المقاربة الأمنية/الزجرية للفضاء العام، ما يستدعي المراجعة لضمان توازن أفضل بين الأهداف.

المطلب الرابع: مقترحات لتجويد المشروع

الفقرة الأولى: على مستوى المقتضيات الموضوعية

يمكن اقتراح جملة تعديلات على المشرّع، من بينها:

  1. إعادة صياغة مقتضيات تجريم الإطعام والعلاج، بالتمييز بين التغذية العشوائية المهددة للصحة العامة، وبين التغذية المنظمة التي تتم في إطار برامج رسمية أو تحت إشراف جمعيات معتمدة، مع استثناء صريح لهذه الأخيرة من نطاق التجريم، شريطة احترام بروتوكولات محددة.
  2. التنصيص صراحة على اعتماد منهجية “الالتقاط – التعقيم – إعادة الإطلاق” كخيار أولي في تدبير أعداد الكلاب والقطط الضالة، مع حصر القتل الرحيم في حالات محددة، وإلزام السلطات بنشر بيانات دورية عن الأعداد والإجراءات المتخذة.

الفقرة الثانية: على مستوى التمويل والحكامة

  1. تخصيص موارد مالية قارة لتمويل مراكز الرعاية، سواء عبر اقتطاع جزء من رسوم معينة (مثل رسوم امتلاك كلاب/قطط) أو عبر دعم الدولة للجماعات الأقل موارد، تجنبًا لتحميل الميزانيات المحلية أكثر مما تحتمل.
  2. إقرار إطار قانوني واضح للشراكة مع الجمعيات، يتضمن معايير للاعتماد، وحقوقًا (دعم، تسهيلات) وواجبات (دفاتر تحملات، تقارير سنوية)، بما يحوّل الجمعيات والمتطوعين من فاعلين “مقلقين” إلى شركاء في التنفيذ.

الفقرة الثالثة: على مستوى التوعية والمشاركة المجتمعية

  1. إدراج مقتضيات تُلزم السلطات بتنظيم حملات توعوية مستمرة حول المسؤولية في ملكية الحيوانات الأليفة، ومخاطر التخلي عنها، ودور المواطنين في التبليغ والتعاون.
  2. تثمين المبادرات التربوية داخل المدارس والجامعات حول الرفق بالحيوان، وربطها بمقتضيات هذا القانون، بما يعزز ثقافة احترام الحياة الحيوانية لدى الأجيال الصاعدة.

خاتمة

يُعتبر مشروع القانون رقم 19.25 خطوة تشريعية هامة في اتجاه معالجة إشكالية الحيوانات الضالة بالمغرب ضمن إطار قانوني موحد، يحاول التوفيق بين مقتضيات السلامة والصحة العامة ومبادئ الرفق بالحيوان. غير أن الصيغة المعروضة تثير عددًا من التساؤلات والانتقادات، خاصة فيما يتعلق بمنطق تجريم بعض السلوكيات التعاطفية، وغياب التنصيص الواضح على برامج TNR، وضعف التفصيل في مسألة التمويل والشراكة مع المجتمع المدني.

إن اعتماد مقاربة تشاركية تراعي التجارب المقارنة، وتُشرك الجماعات الترابية والجمعيات والمهنيين في صياغة النصوص التنظيمية وتفعيلها، من شأنه أن يحوّل هذا المشروع من مجرد نص زجري إلى سياسة عمومية متكاملة للعيش المشترك بين الإنسان والحيوان في الفضاء العام، على نحو يحفظ كرامة الطرفين ويصون الصحة والبيئة.

مصادر ومراجع البحث:

  1. تقارير صحفية حول تزايد حوادث الكلاب الضالة في المدن المغربية.
  2. بيانات جمعيات الرفق بالحيوان وانتقاداتها لعمليات الإبادة الجماعية.
  3. المذكرة التقديمية لمشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها.
  4. مقالات صحفية ووثائق رسمية حول المخاطر الصحية للحيوانات الضالة (داء السعار…).
  5. مراجع بيطرية وصحية حول الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
  6. تقارير منظمات دولية تعنى برفاه الحيوان.
  7. بلاغات الحكومة بخصوص المصادقة على المشروع وإحالته على البرلمان.
  8. النصوص القانونية السابقة ذات الصلة (قوانين الجماعات، قوانين الصحة).
  9. تحليلات صحفية وقانونية حول منهجية التعقيم والتلقيح والترقيم.
  10. دراسات مقارنة للتجارب الفرنسية والتركية في تدبير الحيوانات الضالة.