
مقدمة
عرفت السنوات الأخيرة انتشارا ملحوظا لمراكز الحجامة وبعض ممارسات الطب التكميلي أو المشابه للطب الصيني في المغرب، خاصة في المدن الكبرى، تحت مسميات مختلفة مثل “مراكز العلاج الطبيعي”، “العلاج بالطاقة”، “الطب الصيني”، “الحجامة النبوية” وغيرها. هذا الانتشار يثير تساؤلات قانونية حول الطبيعة النظامية لهذه الأنشطة، وحول مدى خضوعها لقانون مزاولة مهنة الطب والمهن الصحية المنظمة، خصوصا في ظل غياب نص تشريعي صريح يؤطرها كمهنة صحية مستقلة.
وتتجلى أهمية الموضوع من زاويتين متكاملتين: حماية النظام العام الصحي وما يرتبط به من سلامة الأشخاص وكرامتهم الجسدية، من جهة، وضمان حرية المبادرة الاقتصادية وممارسة الأنشطة ذات الطابع الخدماتي أو التقليدي غير الطبي من جهة أخرى، في انسجام مع القواعد الدستورية المنظمة للحقوق والحريات الأساسية. كما تزداد أهمية الدراسة حين تقارن الوضع المغربي ببعض التجارب المقارنة، وعلى رأسها القانون الفرنسي، الذي واجه بدوره إشكالات إدماج بعض الممارسات المكملة أو البديلة في المنظومة الصحية المنظمة.
انطلاقا من ذلك، تتمحور الإشكالية الرئيسة للمقال حول السؤال الآتي: ما هو الوضع القانوني لمراكز الحجامة والعلاجات المشابهة للطب الصيني في القانون المغربي، وما حدود التمييز بين ما يعد عملا طبيا يخضع لقانون مزاولة الطب، وما يمكن اعتباره نشاطا غير طبي أو شبه طبي، وما موقع هذا الوضع بالمقارنة مع القانون الفرنسي؟
المبحث الأول: الإطار القانوني المغربي لمزاولة الطب وتمييزه عن الأعمال غير الطبية
المطلب الأول: مهنة الطب والمهن الصحية المنظمة في التشريع المغربي
أطر المشرع المغربي مهنة الطب بالقانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الذي حدد شروط الولوج إلى المهنة وكيفيات ممارستها والجهات المهنية والمؤسساتية المكلفة بضبطها ومراقبتها. ويُستفاد من هذا القانون – ومن النصوص المكملة له – جملة قواعد أساسية:

- حصر ممارسة الطب في الأطباء المقيدين بجدول الهيئة
ينص قانون 131.13 على أنه “لا يجوز لأي كان، بأي صفة كانت، أن يزاول مهنة الطب إذا لم يكن حاصلا على شهادة تخول له ذلك ومقيدا بجدول الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء وفق الشروط المحددة قانونا”. هذا المبدأ يجعل كل عمل يدخل ضمن “أعمال مهنة الطب” محجوزا لأصحاب الصفة القانونية دون غيرهم. - الطابع غير التجاري لمهنة الطب
يقرر القانون أن مهنة الطب ليست نشاطا تجاريا، وأن الهدف الرئيس منها هو المحافظة على الصحة وحماية حياة الأشخاص وسلامتهم الجسدية، في إطار احترام مبادئ الأخلاقيات الطبية والقواعد المهنية والتنظيمية. - تنظيم فضاءات مزاولة الطب
أخضع المشرع العيادات الطبية والمؤسسات المماثلة لها لنظام خاص من الترخيص والمراقبة، يربط بين صفة الفضاء (عيادة، مصحة، مركز تشخيص…) وبين نوع الأعمال الطبية التي يمكن مزاولتها داخله، مع مراقبة من طرف السلطات الصحية والهيئات المهنية.
إلى جانب مهنة الطب، نظم المشرع مهن صحية أخرى بمقتضى نصوص خاصة، من قبيل:
- القانون رقم 43.13 المتعلق بمزاولة مهن التمريض.
- القانون رقم 45.13 المتعلق بمزاولة مهن الترويض والتأهيل وإعادة التأهيل الوظيفي.
وهذه النصوص تبين أن صفة “المهنة الصحية المنظمة” لا تترتب إلا بوجود قانون خاص يحدد موضوع المهنة وشروط ممارستها ونطاق تدخلها.
أما على مستوى التصنيف العام، فتبرز بوابة الأمانة العامة للحكومة (قسم “المهن المنظمة”) لائحة بالمهن التي تستلزم توفر شروط قانونية خاصة لمزاولتها، ومن بينها المهن الصحية، دون أن تدرج الحجامة أو الطب الصيني كمهن منظمة في الوضع الحالي.
المطلب الثاني: الطب الشعبي التقليدي وصفة “المعالج التقليدي” بين الاعتراف الاجتماعي والفراغ التشريعي

يحضر في الواقع المغربي شكل أوسع من الممارسة العلاجية يعرف في الأدبيات الأنثروبولوجية بـ“الطب الشعبي التقليدي”، ويضم طيفا واسعا من الفاعلين: العشاب، المجبر، المداوي بالكي، “العوادة”، والراقي… إلخ.

وتستخدم هذه الفئات مزيجا من المعارف النباتية التقليدية، والطقوس الرمزية والروحية، وأساليب التدخل الجسدي،
كما تبين دراسات أنثروبولوجية مغربية تناولت طقوس العلاج الشعبي وممارسيه وأسواقه. في هذا السياق تتداول وسائل الإعلام والأبحاث والمجتمع وصف “المعالج التقليدي” للدلالة على هؤلاء الممارسين، غير أن هذا الوصف يظل وصفا اجتماعيا أو بحثيا أكثر منه صفة مهنية قانونية.
فعلى مستوى التأطير القانوني، لا يرد “المعالج التقليدي” ضمن لائحة المهن الصحية المنظمة في التشريع المغربي، إذ تحصر قوانين الصحة (قانون 131.13 لمزاولة مهنة الطب، 43.13 للتمريض، 45.13 للترويض والتأهيل) المهن الصحية في فئات محددة، دون أن تتطرق للطب الشعبي أو لممارسيه كفئة مهنية معترف بها. كما أن بوابة “المهن المنظمة” لدى الأمانة العامة للحكومة لا تدرج مهنة بهذا الاسم، ما يؤكد أن حامل صفة “معالج تقليدي” لا يتمتع بصفة مهنية قانونية مماثلة للطبيب أو الممرض أو المروض، بل يمارس نشاطه – إن كان مرخصا – في إطار صناعة تقليدية (حرفي، عشّاب…) أو نشاط تجاري عام، يخضع لقانون الصناعة التقليدية والسجل الوطني للصناعة التقليدية أو لقانون التجارة، لا لقوانين الصحة.
ومع ذلك، فإن غياب الاعتراف المهني الصحي لا يعفي “المعالج التقليدي” من المسؤولية ولا يطلق يده في ممارسة كل أنواع الأفعال العلاجية. فإذا تجاوز نشاطه حدود النصيحة العامة أو الممارسات ذات الطابع الثقافي أو الروحي، ودخل مجال تشخيص الأمراض أو وصف علاج لها أو تعديل العلاجات الطبية المؤطرة، أصبح خاضعا من حيث النتيجة لنفس المحظورات التي تلزم غير الأطباء بعدم ممارسة أعمال مهنة الطب، مع ما يترتب عن ذلك من إمكانية مساءلته عن الممارسة غير المشروعة للأعمال الطبية، فضلا عن المسؤولية المدنية والجنائية إذا نتج عن فعله ضرر للمريض. ويزداد هذا الإشكال حدة في مجال التداوي بالأعشاب والمواد الطبيعية، حيث سجلت دراسات حول الطب الشعبي بالمغرب حالات تسمم ومضاعفات خطيرة، دفعت وزارة الصحة ومنظمات علمية إلى الدعوة لتنقيح الممارسة وإخضاع المنتجات النباتية والمعرفة التقليدية لمعايير علمية وتنظيمية أكثر صرامة.

على ضوء ذلك، يمكن القول إن صفة “المعالج التقليدي” في المغرب تقع اليوم بين اعتراف اجتماعي قوي وفراغ تشريعي مهني: يعترف بها المجتمع ويستعملها البحث العلمي لوصف فاعلين واقعيين في الحقل العلاجي الشعبي، لكنها لا تستند إلى نص يمنحها وضع “مهنة صحية منظمة”، كما لا تعفي حاملها من الخضوع لقواعد قانون مزاولة مهنة الطب متى تجاوزت ممارسته المجال الشعبي التقليدي إلى الأعمال الطبية المحجوزة لمهن الصحة.
المطلب الثالث: غياب تنظيم خاص للحجامة والعلاجات المشابهة للطب الصيني
بالرجوع إلى النصوص القانونية والتنظيمية المنشورة من قبل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، يتبين أن المشرع لم يعتمد إلى حدود الساعة قانونا خاصا بممارسة الحجامة أو العلاجات المشابهة للطب الصيني بوصفها مهنًا صحية مستقلة. كما أن هذه الممارسات لا تظهر ضمن المهن المنظمة في قاعدة بيانات الأمانة العامة للحكومة.
هذا الغياب لا يعني منع الحجامة أو الطب التكميلي بصورة صريحة، لكنه يعني أمرين مهمين:
- انتفاء صفة “المهنة الصحية المنظمة”
ما لم يصدر نص خاص يؤطر الحجامة أو الطب الصيني، فإن هذه الممارسات لا تندرج – قانونا – ضمن المهن الصحية المنظمة، ولا يُعتد بأي “رخصة” مهنية خاصة تقدم على أنها إذن بمزاولة “مهنة الحجامة” أو “الطب الصيني” كمهن صحية. - خضوع مراكز الحجامة من حيث الأصل لقواعد الأنشطة التجارية أو الخدماتية العامة
فتح “مركز حجامة” يتم، في الممارسة العملية، عبر الحصول على ترخيص تجاري أو مهني من الجماعة الترابية (محل خدمات، مركز للعناية الجسدية، بيع زيوت وأعشاب…)، دون أن يمنح ذلك للمركز صفة مؤسسة صحية ما لم يكن مؤطرا بنص خاص، ودون أن يبيح له القيام بأعمال تدخل في صميم مهنة الطب أو المهن الصحية المنظمة.
من هنا تظهر “المنطقة الرمادية” بين ما يمكن قبوله كنشاط خدماتي أو تقليدي غير طبي، وبين ما يعد في حقيقته ممارسة لأعمال طبية أو شبه طبية محجوزة قانونا لأصحابها.
المبحث الثاني: معيار التمييز بين العمل الطبي والأعمال الشبه الطبية وغير الطبية
المطلب الأول: معيار طبيعة الفعل والغرض منه
لا يتحدد وصف الفعل (طبي أو غير طبي) بناء على تسمية المركز أو الوصف التجاري للنشاط، بل بناء على طبيعة الأفعال الممارسة والغرض منها والآثار المتوقعة. ويمكن اعتماد معيارين متكاملين:
- المعيار الوظيفي (الغرض)
كل فعل يهدف إلى تشخيص مرض، أو تقرير مآله، أو اقتراح علاج له، أو تعديل مساره العلاجي، يدخل في نطاق الأعمال الطبية أو الأعمال الصحية المنظمة بحسب نوع التدخل.
– مثال ذلك: قيام ممارس الحجامة بتشخيص حالة ارتفاع ضغط الدم، ومنع المريض من تناول دوائه الطبي، وتعويض ذلك بجلسات حجامة باعتبارها “علاجاً كافياً”. - المعيار التقني (الوسائل والمخاطر)
استعمال تقنيات تدخل على جسم الإنسان بطريقة تنطوي على مخاطر صحية جدية، وتقتضي عادة تكوينا طبيا أو صحيا معترفا به (مثل الوخز بالإبر في مناطق حساسة، أو التدخل في الدم، أو التعامل مع أمراض معدية أو حالات مزمنة معقدة)، يجعل الفعل أقرب إلى الأعمال الطبية التي يجب أن تمارس ضمن إطار قانوني منظم وتحت مراقبة مهنية.
إذا اجتمع الغرض العلاجي الطبي مع تقنيات عالية المخاطر، كان التكييف كعمل طبي أو صحي منظّم أقرب من أي تكييف آخر، حتى لو تعمد الممارس استعمال لغة غير طبية أو عناوين “روحية” أو “تقليدية”.

المطلب الثاني: ما يعد عملا طبيا خاضعا لقانون 131.13
استنادا إلى فلسفة قانون مزاولة مهنة الطب والنصوص المتصلة به، يمكن القول إن الأعمال الآتية تدخل ضمن المجال المحجوز لمهنة الطب متى صدرت عن غير الأطباء في إطار مراكز الحجامة أو العلاجات المشابهة:
- تشخيص الأمراض أو إبداء الرأي في طبيعتها أو درجتها أو مآلها (مثلا: تحديد نوع مرض كبدي، أو تقرير مدى خطورة مرض قلبي، أو تأكيد وجود مرض سرطاني أو نفيه).
- وصف بروتوكول علاجي بديل لمريض معين، يقوم على استبدال أو تعديل العلاج الطبي المؤطر (إيقاف دواء من طرف الممارس غير الطبيب، أو تعديل جرعاته).
- التدخل في حالات مستعجلة أو حساسة (نزيف، سكتة، مضاعفات ضغط الدم أو السكري…) على نحو يتجاوز إسعافا بسيطا إلى قرار علاجي.
- إجراء أعمال تغزو الجسم أو تؤثر على أجهزته بما يستوجب تكوينا واحتياطات طبية صارمة (التعامل مع الدم، الحقن، عمليات شبه جراحية…).
- تقديم الخدمات للجمهور على أنها “علاج طبي لأمراض محددة” أو بديلا عن الاستشارة الطبية أو الجراحية.
هذه الأعمال، متى مورست من قبل أشخاص لا صفة لهم قانونا، قد تُكيف في ضوء القواعد الزجرية باعتبارها ممارسة غير مشروعة لأعمال طبية، فضلا عن إمكانية إثارة المسؤولية عن الجروح أو القتل غير العمديين أو غيرها بحسب الضرر الناتج.
المطلب الثالث: الأعمال الشبه طبية وغير الطبية في مراكز الحجامة والطب الصيني
في مقابل ذلك، توجد أنشطة يمكن أن تبقى خارج نطاق العمل الطبي الضيق، من قبيل:
- خدمات الاسترخاء والعناية العامة بالجسم والغرض منها تحسين الرفاهية (تدليك بسيط، استرخاء عضلي لا يحمل ادعاءات علاجية محددة).
- جلسات ذات طابع ثقافي أو تقليدي لا تتضمن تشخيصا ولا تغييرا في العلاجات الطبية، وتعلن بوضوح أنها لا تعوض رأي الطبيب ولا تتدخل في مسار العلاج.

غير أن استعمال وصف “شبه طبي” في الخطاب المهني أو الإعلامي لا يمنح هذه الأنشطة صفة “المهنة الشبه طبية المنظمة” بالمفهوم القانوني، مادام المشرع المغربي لم يصدر نصا خاصا يؤطرها كما فعل بالنسبة لمهن التمريض والترويض. ومن ثم، فإن الوصف الأدق هو أنها أنشطة غير طبية قد تظل مشروعة ما دامت لا تتجاوز حدودها ولا تحدث ضررا بالغير، لكنها تتحول إلى ممارسة غير مشروعة لأعمال طبية كلما دخلت مجال التشخيص أو العلاج الطبي بالمعنى المتقدم.
المبحث الثالث: المسؤولية القانونية لمراكز الحجامة والعلاجات المشابهة
المطلب الأول: المسؤولية المدنية
في ظل غياب قانون خاص، تخضع المسؤولية المدنية للمراكز والممارسين للقواعد العامة للفعل الضار المكرسة في ظهير الالتزامات والعقود، متى ثبت:
- خطأ (ممارسة فعل خطير دون كفاءة كافية، ادعاء علاج أمراض، إهمال قواعد النظافة والتعقيم…).
- ضرر (إصابات، عدوى، تفاقم حالة مرضية…).
- علاقة سببية بين الفعل والضرر.
وتزداد أهمية هذا الأساس المسؤولياتي مع انتشار ممارسات غير مؤطرة علميا أو تنظيميا في مجال الطب البديل، كما تؤكد بعض الدراسات المقارنة حول المسؤولية الجنائية والمدنية عن الأعمال الطبية البديلة.
المطلب الثاني: المسؤولية الجنائية
يمكن أن تثار المسؤولية الجنائية في حالات متعددة، بحسب تكييف الفعل:
- ممارسة غير مشروعة لأعمال طبية أو صحية متى كانت الأفعال تدخل في صميم أعمال مهنة الطب أو إحدى المهن الصحية المنظمة دون توفر الصفة القانونية المطلوبة؛
- الجروح أو القتل غير العمديين إذا تسبب الفعل في إصابة أو وفاة نتيجة الإهمال أو الخرق الجسيم لقواعد الاحتياط؛
- الغش أو الإشهار المضلل إذا تم استغلال حاجة المرضى والإيهام بقدرة مطلقة على العلاج أو الشفاء.

وتبرز خطورة الفراغ التنظيمي في أن الممارسين لا يستفيدون من حماية مهنية واضحة، كما أن الضحايا يواجهون صعوبات في تكييف الأفعال وبيان حدود المشروعية، وهو ما نبه إليه الفقه في دول أخرى (مثل الجزائر) بخصوص الطب البديل.
المطلب الثالث: السياسة الجنائية في الموضوع

لم يقتصر تدخل رئاسة النيابة العامة على التنزيل النصي لقانون تنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي، بل أصدرت دورية خاصة توجّه النيابات العامة إلى الاقتصار في انتداب الأطباء الشرعيين على الأشخاص المستوفين للشروط القانونية، وتفعيل المقتضيات الزجرية في مواجهة من يستعمل صفة طبيب شرعي أو يزاول مهامه دون حق، بالإحالة على قانون الطب الشرعي وعلى الفصل 381 من القانون الجنائي المتعلق بانتحال صفات منظمة قانونا. ويؤكد هذا التوجيه أن السياسة الجنائية تعتبر كل ممارسة لعمل طبي من غير مؤهليه القانونيين صورة من صور الاعتداء على النظام العام الصحي وعلى الثقة في الصفات المهنية، بما يزكي ضرورة تجريم الممارسة غير المشروعة للطب التقليدي أو البديل متى اتخذت شكل أعمال طبية محجوزة لمهن الصحة المنظمة.
لذلك تعرف المحاكم من حين لآخر متابعات لأشخاص يمارسون بعض اشكال الطب التقليدي، وذلك بتهم النصب او الممارسة غير المشروعة لمهن طبية، ما لم يكن موضوع المتابعات ووقائعها تحمل أوصافا أشد، منها ممارسة العودة، او التسميم او القتل الخطأ، او ربما أوصافا أخرى.
في اغلب الاحيان، تتشدد المحاكم في احكامها ضد ممارسي الطب بشكل غير مشروع، خصوصا عندما يتعلق الامر بوجود ضحية مشتكي.
المبحث الرابع: لمحة عن القانون الفرنسي وبعض الاتجاهات المقارنة
المطلب الأول: احتكار الأعمال الطبية في القانون الفرنسي
يقوم القانون الفرنسي – على غرار المغربي – على مبدأ احتكار الأطباء لأعمال التشخيص والعلاج الطبي، مع حصر الأعمال الطبية والتمريضية والترويضية في المهن الصحية المنظمة بنصوص خاصة ضمن “Code de la santé publique”. وتعتبر ممارسة الطب بدون صفة قانونية جريمة يعاقب عليها، كما أن النظام الفرنسي يميز بوضوح بين:
- “Professions de santé” (مهن الصحة) المنظمة حصرا؛
- و”Pratiques non conventionnelles à visée thérapeutique” (الممارسات غير التقليدية ذات الغاية العلاجية) التي يراقبها المشرع والسلطات الصحية بشكل خاص.
بالنسبة لبعض الممارسات مثل الوخز بالإبر أو المعالجة اليدوية، عرف القانون الفرنسي فترات جدل، قبل أن يتم حصر بعضها في إطار معين: فالوخز بالإبر غالبا ما يُعتبر عملا طبيا إذا مورست لأغراض علاجية طبية، في حين توجد مجالات أخرى (مثل بعض تقنيات الاسترخاء أو العناية الجسدية) تبقى خارج المنظومة الطبية ما دامت لا تدعي علاج أمراض محددة.
المطلب الثاني: تنظيم الممارسات غير التقليدية ذات الغاية العلاجية
اعترف النظام الفرنسي بوجود ممارسات “غير تقليدية” يلجأ إليها المرضى إلى جانب الطب الحديث، لكنه لم يمنحها تلقائيا صفة “مهن صحية”. بل ذهب في اتجاه مزدوج:
- التشديد على أن أي ممارسة ذات غاية تشخيصية أو علاجية تخضع لمقتضيات قانون الصحة، ولا يجوز تنظيمها إلا ضمن مهن الصحة؛
- وفي الوقت ذاته، أفسح مجالا لبعض الممارسات المكملة التي تمارس من قبل مهنيي الصحة أنفسهم (أطباء، ممرضين، معالجين فيزيائيين…) في إطار مسار علاجي منسق، مع إخضاعها لإرشادات وتوصيات مهنية.
هذا التوجه يبرز لدى المقارنة أن مركز الثقل في القانون الفرنسي هو الغاية العلاجية والصفة المهنية للممارس: فإذا ادعى الشخص علاج أمراض أو قام فعلا بتشخيصها أو علاجها، وجب أن يكون من مهن الصحة، وإلا عد فعله مخالفة أو جريمة.
المطلب الثالث: دروس مستفادة للمشرع المغربي
يستفاد من التجربة الفرنسية ومن بعض التشريعات العربية التي اتجهت لتنظيم الطب التكميلي (كما في بعض دول الخليج التي اشترطت ترخيصا من وزارة الصحة لممارسة الحجامة والطب التكميلي، مع فصل ترخيص الأشخاص عن ترخيص المحلات). الدروس الآتية:
- أولوية حماية المريض على حرية ممارسة المهنة
أي تنظيم مرتقب للحجامة والعلاجات المشابهة يجب أن ينطلق من مصلحة المريض وسلامته، عبر وضع شروط تكوين، وتعقيم، ونظافة، وآليات لتتبع المضاعفات. - حسم التمييز بين العمل الطبي وغير الطبي
ينبغي للنص التشريعي أو التنظيمي أن يحدد صراحة ما يعتبر من صميم العمل الطبي أو الصحي المحجوز لمهن الصحة (التشخيص، وصف العلاج، التدخل في الأمراض الخطيرة)، وما يمكن أن يبقى في خانة الخدمات المكملة غير الطبية مع منع أي ادعاء علاجي مضلل. - إدماج الممارسات المكملة ضمن مسار علاجي مؤطر
يمكن التفكير في السماح للأطباء أو بعض مهنيي الصحة باستعمال تقنيات معينة (مثل الحجامة أو الوخز بالإبر) داخل إطار طبي منظم، مع منع الممارسة الحرة لهذه التقنيات من قبل غير المؤهلين حين تكون ذات غاية علاجية. - وضع نظام خاص للمسؤولية والتأمين
تنظيم الحجامة والطب التكميلي يقتضي أيضا إلزام الممارسين المؤطرين بتأمين مهني، وتعريف نظام خاص للتأديب والمسؤولية، كما فعلت بعض التشريعات المقارنة بإنشاء مراكز وطنية للطب البديل والتكميلي تحدد اللوائح المهنية والشروط.
خاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن مراكز الحجامة والعلاجات المشابهة للطب الصيني في المغرب تنشط اليوم في إطار فراغ تشريعي نسبي، إذ لا توجد نصوص خاصة تعتبر الحجامة أو الطب الصيني مهنًا صحية منظمة، ولا لوائح رسمية تمنح رخصة مهنية بمزاولة هذه الأنشطة كأعمال طبية. وفي المقابل، يفرض قانون مزاولة مهنة الطب ومنظومة المهن الصحية المنظمة احتكار الأطباء ومهنيي الصحة للأعمال الطبية بالمعنى الدقيق، بما في ذلك التشخيص ووصف العلاج والتدخل في مسار الأمراض، ويعتبر ممارسة هذه الأعمال دون صفة قانونية فعلا غير مشروع قد يرتب مسؤوليات مدنية وجنائية.
وعند المقارنة بالقانون الفرنسي، يتضح أن النهج المقارن يميل إلى تثبيت احتكار الأعمال ذات الغاية التشخيصية والعلاجية لمهن الصحة، مع ترك هامش محدود للممارسات المكملة تحت إشراف مهنيين مؤهلين، أو كأنشطة غير طبية بشرط عدم ادعاء علاج الأمراض وعدم تعريض المرضى لمخاطر غير مبررة. ويوحي هذا بأن المشرع المغربي مدعو إلى التدخل – من خلال قانون خاص أو إطار تنظيمي واضح – لتحديد وضع الحجامة والعلاجات المشابهة، والفصل بين ما هو طب وما هو خدمة غير طبية، بما يضمن حماية الصحة العامة ويحترم في الآن ذاته حرية الأشخاص في اللجوء إلى بعض الممارسات التقليدية أو التكميلية.